الفقرة العاشرة – برنامج سيرة الفنانين التشكيليين | رحيم الدهنيم (العراق)

الفقرة العاشرة – برنامج سيرة الفنانين التشكيليين | رحيم الدهنيم (العراق)

تأخذنا اليوم إلى جمهورية العراق، لنقف عند تجربة فنية مميّزة للفنان التشكيلي والنحّات رحيم الدهنيم، أحد الأصوات الإبداعية القادمة من البصرة، حيث يتجلّى حضوره من خلال أعمال نحتية وتشكيلية تعتمد خامة الحديد بوصفها لغة تعبيرية عميقة، تجمع بين الرمز والإنسان والذاكرة، وتؤكد دور الفن كرسالة جمالية وثقافية وإنسانية

يأتي الحديث عن الفنان التشكيلي والنحّات العراقي رحيم الدهنيم بوصفه حديثًا عن تجربة إبداعية ناضجة تشكّلت عبر سنوات طويلة من الاشتغال الجاد، والتأمل العميق في جوهر الفن بوصفه فعلًا إنسانيًا وثقافيًا يتجاوز الشكل إلى المعنى، ويتجاوز المادة إلى الروح. فالفنان المولود في مدينة البصرة عام 1972، هذه المدينة التي حملت عبر التاريخ ثقل الحضارة ووهج الماء والنخيل والموانئ والذاكرة، لم يكن نتاج بيئته الجغرافية فقط، بل كان ابنًا لتراكم حضاري وثقافي وروحي جعل من تجربته الفنية حالة خاصة داخل المشهد التشكيلي العراقي المعاصر

منذ بداياته، لم ينظر رحيم الدهنيم إلى الفن بوصفه ممارسة تقنية معزولة، بل بوصفه مسار حياة، ولغة وجود، ووسيلة للبوح الداخلي، لذلك تنوّعت اهتماماته بين الرسم والنحت والشعر والموسيقى والخط العربي، وتكاملت هذه الحقول في داخله لتنتج خطابًا فنيًا واحدًا، متماسكًا في رؤيته، غنيًا في رموزه، ومفتوحًا على احتمالات التأويل. فالفنان هنا لا يفصل بين الفنون، بل يؤمن بوحدتها، ويرى أن الإبداع الحقيقي يولد من تداخل الحواس والمعارف، ومن الحوار الدائم بين الشكل والصوت والكلمة والحركة

وتُعدّ خامة الحديد العلامة الفارقة في تجربة رحيم الدهنيم النحتية، إذ لم يتعامل معها كخامة صلبة فحسب، بل بوصفها كائنًا حيًا يحمل ذاكرة الزمن، وقسوة الواقع، وصلابة الإنسان، وفي الوقت ذاته قابليته للتشكّل والتحوّل. فالحديد في أعماله لا يبقى أسير ثقل المادة، بل يتحوّل إلى كتل نابضة بالحركة، وإلى خطوط مشدودة بين القوة والهشاشة، وإلى أشكال توحي بالصراع، والنهضة، والانكسار، والبحث الدائم عن المعنى. ومن خلال هذا الاشتغال، استطاع أن يمنح المعدن روحًا، وأن يكشف طاقته التعبيرية الكامنة، ليصبح النحت عنده فعل مقاومة جمالية للجمود، وإعلانًا مستمرًا عن قدرة الفن على إعادة صياغة الواقع

وتتجلّى في أعماله ثيمات إنسانية عميقة، تتقاطع فيها الذاكرة مع الألم، والحلم مع القلق، والحياة مع الفناء، مستلهمًا حضارة وادي الرافدين بما تحمله من رموز وأساطير، لكن دون الوقوع في المباشرة أو الاستنساخ، بل عبر قراءة حداثية تعيد إنتاج الرمز داخل سياق معاصر. فالأسطورة لديه ليست حكاية من الماضي، بل بنية فكرية حاضرة، والإنسان في أعماله ليس صورة جامدة، بل كيان متحوّل، يعيش صراعاته الداخلية والخارجية، ويبحث عن خلاصه عبر الفن

ولا ينفصل نشاطه الفني عن حضوره الثقافي، فهو عضو في نقابة الفنانين العراقيين – فرع البصرة، ورئيس منتدى البصرة تستطيع للثقافة والأدب والفنون والسلام، وهو منصب يعكس إيمانه العميق بدور الفنان بوصفه فاعلًا اجتماعيًا وثقافيًا، لا يكتفي بالإنتاج الفني، بل يسهم في بناء المشهد الثقافي، وخلق مساحات للحوار، ودعم الطاقات الإبداعية، وترسيخ قيم السلام والجمال. ومن خلال مشاركاته المتعددة في المنتديات والمؤسسات والأكاديميات داخل العراق، إضافة إلى حضوره في المعارض الافتراضية الدولية، استطاع أن يوسّع دائرة التلقي لتجربته، وأن يجعل من فنه جسرًا للتواصل مع جمهور عالمي

وقد حظي هذا المسار الإبداعي بتقدير واسع، تُوّج بالحصول على العديد من الشهادات التقديرية، والأوسمة، والدروع التكريمية، فضلًا عن نيله الدكتوراه الفخرية لأكثر من مرة من جهات ثقافية وفنية، في اعتراف واضح بدوره المؤثر في إثراء المشهد الفني والثقافي. غير أن قيمة هذه الجوائز لا تكمن في رمزيتها فحسب، بل في كونها انعكاسًا لصدق التجربة، واستمراريتها، وقدرتها على ملامسة الوجدان الجمعي

وتتكامل تجربته التشكيلية مع تجربته الشعرية، كما يتجلّى ذلك في نصه الشعري المرتبط بلوحته «للشمس وجهان»، حيث تتحوّل اللوحة إلى مرآة للروح، ويغدو اللون معادلًا للكلمة، والخط امتدادًا للفكرة. في هذا النص، نلمس فلسفة الفنان بوضوح، إذ لا يرى النور خالصًا من الشك، ولا السكون منفصلًا عن الصخب، ولا الجمال معزولًا عن الألم. فالشمس عنده رمز مزدوج، تمنح الحياة وتخفي الموت، تضيء وتُحرق، تعطي وتجرح، وهي بذلك صورة مكثفة للوجود الإنساني بكل تناقضاته. ومن خلال هذا الوعي، تتحوّل اللوحة إلى فعل اعتراف، وإلى مساحة للمصالحة بين الحلم والقلق، وبين الجرح والأمل

إن الطموح الذي يحمله رحيم الدهنيم لا يتوقف عند حدود الإنجاز الشخصي، بل يمتد إلى الإسهام في تطوير الحركة التشكيلية العراقية والعربية، وتقديم أعمال تحمل هوية بصرية متفرّدة، وفي الوقت ذاته دعم الأجيال الشابة، وتشجيع التجريب الأصيل، وترسيخ قناعة راسخة بأن الفن رسالة إنسانية وثقافية قادرة على بناء الوعي، وتهذيب الذائقة، ومواجهة العتمة بالنور. ومن هنا، يمكن القول إن تجربة رحيم الدهنيم تمثّل واحدة من التجارب الجادة التي تؤكد أن الفن الحقيقي هو ذاك الذي يولد من الصدق، ويستمر بالفعل، ويترك أثره في الذاكرة، كما تترك الشمس أثرها في الأشياء، مهما كان لها من وجهين











تعليقات