برنامج سيرة الفنانين التشكيليين
الفقرة السابعة من برنامج سيرة الفنانين التشكيليين
واليوم نسلّط الضوء ونتحدّث بكل فخر واعتزاز عن الفنانة التشكيلية المبدعة صبرينة سديري من جمهورية الجزائر الشقيقة 🇩🇿، في رحلة فنية تحمل السريالية، والرمز، وعمق الفكرة، وتجربة إبداعية مميزة تستحق التوقف عندها
تُعدّ الفنانة التشكيلية الجزائرية صبرينة سديري واحدة من الأصوات الفنية الصادقة التي شقّت طريقها بهدوء وإصرار، متسلحة بالموهبة الفطرية، والخيال الخصب، والإيمان العميق بأن الفن ليس مجرد صورة تُرسم، بل رسالة تُقال، وفكرة تُحمل، وصرخة تُعبّر عمّا لا تستطيع الكلمات قوله. وُلدت صبرينة سديري بتاريخ 13/07/1992، ومنذ طفولتها الأولى كانت علاقتها بالرسم علاقة عشق لا تنفصل، إذ وجدت في الورق والألوان ملاذها الأول، ومساحتها الحرة للتعبير عن ذاتها، وعن عالم داخلي مليء بالأسئلة والأحلام والرموز
منذ الصغر، انجذبت صبرينة بشكل خاص إلى الأسلوب السريالي، ذلك الأسلوب الذي يخرج عن حدود الواقع المباشر، ويتجاوز المنطق الظاهري ليغوص في عمق الفكرة، ويكشف ما وراء المشهد. لم تكن ترسم لمجرد الرسم، بل كانت كل لوحة لديها تحمل فكرة في مخيلتها، ورمزاً تعبر به عن قضية أو موقف أو إحساس، بأسلوبها الخاص الذي لا يشبه إلا ذاتها. السريالية بالنسبة لها لم تكن تقليداً أو اختياراً عابراً، بل كانت لغة فنية وجدت فيها نفسها، وقدرة حقيقية على تجسيد المعاني والأفكار التي تؤمن بها، وعلى رأسها قضايا المرأة، وتقييد حريتها، والظلم الاجتماعي، والمعاناة الصامتة التي تعيشها الكثير من النساء في مجتمعات مختلفة
في بداياتها الأولى، واجهت الفنانة صبرينة سديري الكثير من النقد والاستغراب، خاصة من محيطها الاجتماعي، حيث كان يُنظر إلى أعمالها على أنها لا تمثل الواقع، ولا تعكس الصورة التقليدية المألوفة، وهو ما جعل البعض يستهجن هذا الأسلوب غير المفهوم بالنسبة لهم. لكن هذا النقد لم يكن عائقاً أمامها، بل كان دافعاً خفياً للاستمرار، وللتمسك أكثر بأسلوبها، وإثبات أن الفن لا يُقاس بمدى مطابقته للواقع، بل بقدرته على التأثير وإثارة التساؤل وتحريك الوعي
في تلك المرحلة، لم تلقَ موهبتها اهتماماً يُذكر من المحيط العام، إلا من عائلتها، وخاصة والدتها وأخواتها، اللواتي كنّ أول الداعمين لها، وأول من آمن بموهبتها ورأى فيها تميزاً حقيقياً، سواء في الأشكال أو الألوان أو الجرأة في الطرح. كنّ يلاحظن أن لوحاتها، رغم بساطة الأدوات، تحمل أسلوباً خاصاً، ولمسة مختلفة، وألواناً ملفتة، وتكوينات غير مألوفة، ما جعلهن يشجعنها على الاستمرار وعدم التخلي عن موهبتها.
كبرت صبرينة، وكبرت معها موهبتها، حتى وصلت إلى مرحلة الثانوية، حيث قامت شقيقتها بعرض رسوماتها التي كانت تُنجزها على أوراق عادية، وبأدوات مدرسية بسيطة، على أستاذ وفنان تشكيلي، بهدف أخذ رأيه، ومعرفة إن كانت هذه الموهبة حقيقية أم مجرد هواية عابرة. وكانت تلك اللحظة نقطة تحول مهمة في مسيرتها، إذ انبهر الفنان التشكيلي الأستاذ هروال مناد بأعمالها، خاصة بعد أن علم أنها لم تتلقَّ أي دورات أو دراسة أكاديمية في الفن التشكيلي أو الرسم، وأن كل ما تقدمه هو نتاج موهبة فطرية واجتهاد ذاتي
طلب الأستاذ هروال مناد رؤيتها، وبدأ بتوجيهها، وتعليمها بعض التقنيات والخامات التي يمكن أن تطور من أعمالها، وتُهيئ لوحاتها لتكون أكثر حضوراً وقابلية للعرض الفني. هذا التوجيه لم يكن محاولة لتغيير أسلوبها، بل لصقله، وتنظيم أدواته، وإعطائه بُعداً تقنياً يساعد الفكرة على الظهور بشكل أقوى. وبفضل هذا الدعم والتوجيه، أقيم لها في عام 2014 أول معرض فني خاص، كانت بمثابة أول انطلاقة رسمية لها كفنانة تشكيلية، حيث خرجت أعمالها إلى العلن، وقدمت نفسها للجمهور بثقة وشجاعة
لاقى المعرض رواجاً وحضوراً مميزاً، وكان لافتاً حجم الانبهار الذي أبداه الزوار بأعمالها، خاصة أن أسلوبها كان جديداً وغير مألوف بالنسبة للكثيرين، ما جعل كل لوحة تثير فضول المتلقي، ويدفعه لطرح الأسئلة، وطلب الشرح، ومحاولة فهم الفكرة والرمز والمعنى الكامن خلف العمل. هذا التفاعل منح صبرينة دفعة معنوية كبيرة، ورسّخ لديها قناعة بأن ما تقدمه له قيمة فنية وإنسانية تستحق الاستمرار
بعد هذا النجاح، لم تتوقف عند حدّ، بل اجتهدت أكثر في التدريب والبحث، وسعت لتطوير نفسها وتعويض ما ينقصها من معرفة تقنية وأكاديمية، فبدأت بالتجريب في مختلف الخامات والتقنيات، مثل الألوان الزيتية، والأكريليك، ومزج الألوان، وتقنيات السرم، ووسائل التعبير المختلفة، محاولة الوصول إلى أفضل طريقة تخدم فكرتها، وتُبرز رؤيتها السريالية بعمق أكبر. ومن خلال هذا البحث المستمر، أخرجت أفكاراً وأعمالاً جديدة، أكثر نضجاً، وأكثر جرأة في الطرح.
في عام 2019، تمّت دعوتها لإقامة معرضها الثاني، رفقة جلسة كاتب، حيث عرضت أعمالها للمرة الثانية أمام الجمهور، وتحصلت على شهادة مشاركة من الولاية، إلى جانب إشادة واضحة بأعمالها، وتشجيع صريح من أصحاب الاختصاص، الذين لمسوا تطور تجربتها، وصدق رؤيتها، وتميز أسلوبها الفني
وفي عام 2020، دخلت صبرينة مرحلة جديدة من حياتها بالزواج، ما جعلها تتحمل مسؤولية الأسرة والأبناء، لتصبح أماً لطفلين، آدم وهشام، وهو ما أدى إلى انقطاعها عن الرسم لفترة امتدت لخمس سنوات. ورغم هذا الانقطاع، لم ينطفئ الشغف في داخلها، بل ظل كامناً ينتظر اللحظة المناسبة للعودة
وبعد خمس سنوات من التوقف، عادت صبرينة إلى الرسم بلوحة “الحالمة”، التي كانت بمثابة إعلان عودتها الفنية، حيث شاركت بها في مسابقات ومشاركات على منصات إلكترونية، وعوّضت فترة الغياب بأعمال وأفكار سريالية جديدة، لاقت إعجاب المتابعين، ودور العرض، ولجان التحكيم. ومع هذه العودة، بدأت تحصد ثمار صبرها، فتحصلت على عدة شهادات مشاركة وجوائز على المستويين العربي والدولي.
وكان عام 2025 بالنسبة لها عام العوض الحقيقي، وسنة مليئة بالمشاركات، والشهادات، والتجارب المتنوعة، حيث تم الطلب منها تصميم وتأليف غلاف لكتاب قصص رعب، إلى جانب تنفيذ تصميمات فنية مختلفة تحمل بصمتها الخاصة، وأسلوبها السريالي المميز، ما يعكس ثقة الوسط الثقافي والفني بقدراتها وإبداعها
واليوم، تواصل الفنانة صبرينة سديري العمل والاجتهاد، وهي تحمل أملاً كبيراً بأن تنتشر أعمالها وأفكارها في العالم، وأن يصل صوتها الفني إلى أكبر عدد ممكن من المتلقين، إيماناً منها بأن الفن رسالة إنسانية، وجسر تواصل بين الثقافات، ووسيلة راقية للتعبير عن القضايا العادلة، وفي مقدمتها قضايا المرأة، والحرية، والكرامة الإنسانية، لتبقى تجربتها مثالاً حياً على أن الإصرار، والدعم العائلي، والموهبة الصادقة، قادرة على صناعة مسيرة فنية مميزة رغم كل التحديات








تعليقات
إرسال تعليق