برنامج سير الشعراء والأدباء


الفقرة الثانية من برنامج سير الشعراء والأدباء

الدكتور صالح فياض الجبوري – جمهورية العراق

في سياق متابعة المسيرة الأدبية للأصوات الشعرية الشابة التي استطاعت أن تترك بصمتها بوضوح على خارطة الأدب العراقي، تقف تجربة الدكتور صالح فياض الجبوري بوصفها نموذجاً استثنائياً لشاعر جمع بين الرؤية المعاصرة والعمق التراثي، وامتلك قدرة لافتة على معالجة القضايا الإنسانية والوطنية بأسلوب شعري يجمع بين الجمال الفني والطرح الواعي.

ويمثّل الدكتور صالح واحداً من أهم الأصوات الثقافية الصاعدة التي عززت حضور الشعر العربي الحديث في بيئة مليئة بالتحديات والتحولات، ليكون مثالاً لجيل يؤمن بأن الكلمة ما زالت قادرة على البناء، والتغيير، واستعادة دورها في الوعي الجمعي.

وُلِدَ الدكتور صالح فياض الجبوري عام 1998 في مدينة الشرقاط التابعة لمحافظة صلاح الدين، وهي مدينة ذات عمق تاريخي وحضاري ضارب في القدم، يصل إلى أكثر من سبعة آلاف عام قبل الميلاد. وقد اشتهرت الشرقاط بلقب مدينة الذئاب و بوابة الشمس، لما تمثله من مكانة جغرافية وثقافية فريدة، وثراء حضاري يمتد لآلاف السنين.

وفي هذا المكان، وبين الأزقة القديمة والقرى المتمسكة بتراثها الأصيل، تشكل وعي الشاعر الأول، فكانت (أسديرة) – قريته العريقة على ضفاف دجلة – هي الذاكرة الأولى التي غذّت خياله وحساسياته الشعورية.

لقد كان للبيئة دورٌ محوري في تكوين شخصية الشاعر؛ فالنهار في الشرقاط ليس كأي نهار، والليل ليس كأي ليل. هناك حيث تتلاقى الأسطورة بالتاريخ، وتتداخل روايات الأجداد مع صرخات الواقع، يتشكّل الشاعر على مهل، ويبني لغته من تلك الصور العميقة التي تبقى في الذاكرة. ويظهر هذا التأثير بوضوح في نصوصه، حيث يتكرر حضور الوطن، والنهر، والطفولة، والرموز الشعبية، في بناء قصيدة تحمل روح المكان وذاكرة أهله.

ومع تقدمه في التجربة، اتجه د. صالح نحو القراءة الواسعة في التراث العربي، والنقد الأدبي، والشعر القديم والحديث، ليطور أسلوباً يجمع بين بلاغة اللغة القديمة والطابع الحداثي في الصورة والتعبير. فقصيدته ليست تقليدية بالمعنى المباشر، وليست حداثية منفلتة من الجذور؛ بل هي توليفة دقيقة، تعتمد على لغة قوية، وصور متقنة، ورؤية واعية تعكس عمق الفكرة وامتدادها.

وقد تميّزت مشاركاته في الندوات والمهرجانات الثقافية بوضوح لغته الخطابية، وقدرته على تقديم الشعر بوصفه أداة للتنوير، وليس مجرد شكل فني. فهو شاعر يحمل مسؤولية الكلمة، ويؤمن بأن القصيدة ليست حدثاً عابراً، بل مشروع فكري وإنساني يحتاج إلى تفكير وتأمّل ودراسة. ولهذا بات يُنظر إليه كأحد الشعراء الذين يمثلون جيل الوعي الجديد في الأدب العراقي.

وتعكس نصوصه مزيجاً من التجربة الإنسانية بكل ما فيها من حب، وقلق، وحلم، وألم، إلى جانب التجربة الوطنية التي تظهر بقوة في معظم كتاباته. فالوطن عنده ليس مجرد مساحة جغرافية، بل هو شعور، وهوية، وذاكرة، ومسؤولية. وهذا العمق مكّنه من تكوين جمهوره الخاص، الذي وجد في قصائده صدقاً نادراً وتأثيراً مباشراً.

ويمتلك د. صالح قدرة ملفتة على بناء الجملة الشعرية المحكمة، وتوظيف الإيقاع بطريقة تخدم المعنى ولا تطغى عليه، مما يجعله من الأصوات التي تجمع بين الموسيقى الداخلية للنص وقوة الفكرة. كما أنه يحرص على تنويع موضوعاته، فلا يقتصر على اتجاه واحد، بل يكتب في الحب والانتماء والفلسفة الوجودية وقضايا الإنسان وتناقضات الحياة.

إن تجربة الدكتور صالح ليست تجربة عابرة، بل هي مشروع أدبي يتطور باستمرار. فكل نص من نصوصه يمثل خطوة جديدة نحو بناء هوية شعرية واضحة المعالم، تقوم على الدقة والرؤية والالتزام واحترام المتلقي. وفي ظل هذا الالتزام، يواصل مسيرته بثبات، حاملاً معه إرث مدينته، وتاريخ بلده، وطموح جيل كامل يرى في الشعر نافذة نحو مستقبل يليق بالإنسان.

وبذلك يمكن القول إن الشاعر د. صالح فياض الجبوري يشكّل اليوم أحد أعمدة الجيل الأدبي الجديد، بما يقدمه من لغة رصينة، وصور عميقة، وخطاب ثقافي مسؤول، يجعله نموذجاً للشاعر المثقف الذي يعي دوره، ويجيد استخدام الكلمة بوصفها قوة فاعلة في المجتمع والفكر.

ومن أهم أبياته الشعرية:

نحنُ السَّلامُ إذا تَعارَكَتِ الحيا

ودُجى يُعانِقُ غَيْمَها المُتَضَوِّرُ

مَن لا يَراني مَكسَباً بِوِدادِهِ

لا عُسرَ يَدْنيني غِيابُهُ أَشهُرُ

فأنا الكَرامةُ جِلدُها ومِدادُها

نَفسي تَعِزُّ العيشَ فَرداً أَشهَرُ

أُبلِغْ غُروراً أَعيَني بِوِصالِهِ

إنَّ الغُرورَ بِطَرْفِ عَيني يُصْهَرُ

روحٌ تَلُمُّ شَقَاءَ عيشٍ بائِسٍ

وتُريدُها بِكَذيبِ قَولٍ تُبْهِرُ

فأنا الشُّروقُ إذا تَعَتَّمَ صَحوُها

وأنا الأفُولَةُ نحوَ لَيلٍ يَسْمُرُ

سُغتُ الحياةَ كَريمَ قومٍ يَعتَلي

رَكبَ المروءَةِ إن دَناها الأَغْبَرُ

وأنا الرُّجولةُ مِلحُها وحَلاتُها

وجَمعُهُنَّ لِمَن يُعادي الأَسْمَرُ 



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الفقرة العاشرة | سير الشعراء والأدباء – الشاعر الأردني جمال الشلالدة

برنامج سيرة الفنانين التشكيليين

معرض مشترك بين أكاديمية حمورابي للثقافة والفنون وأكاديمية الحضارة اليمنية الدولية: تجربة فنية وثقافية فريدة"