برنامج سيرة الفنانين التشكيليين
الفقرة الخامسة من برنامج سيرة الفنانين التشكيليين
نرحّب بكم ونستضيف في هذه الفقرة الفنان التشكيلي الدكتور عباس دهيني – لبنان، أحد المبدعين الذين قدّموا تجربة فنية مميّزة وبصمة واضحة في مجال الفن التشكيلي المعاصر
تسلّط الضوء على تجربة الفنان التشكيلي د. عباس دهيني – لبنان، وهي تجربة إنسانية وفنية عميقة بدأت ملامحها الأولى منذ الطفولة المبكرة، حين كان الفن بالنسبة له فعلًا فطريًا نابعًا من القلب قبل أن يكون معرفة أو دراسة. يقول د. عباس دهيني إن رحلته مع الرسم بدأت منذ أيام الدراسة الأولى، وتحديدًا في حصة الرسم، حيث كان يشعر بانجذاب خاص للألوان والأشكال والخطوط، وكأن يده تتحرك وحدها فوق الورق، تعبيرًا عمّا يختلج داخله من شغف وحب للجمال. في تلك الحصة، التفت أستاذ الرسم إلى موهبته ولاحظ تميّز خطوطه مقارنة بزملائه، فكانت تلك اللحظة مفصلية في حياته عندما قال له الأستاذ: إذا استمريت هكذا سيكون لك مستقبل فني عظيم، وهي جملة بسيطة في كلماتها لكنها عظيمة في أثرها، زرعت فيه الثقة ومنحته دفعة معنوية كبيرة جعلته يفرح ويؤمن أكثر بموهبته، ويشعر أن ما يقوم به ليس مجرد هواية عابرة بل طريق يمكن أن يقوده إلى مستقبل مختلف.
بعد هذا التشجيع، بدأ يرسم الشخصيات الكرتونية التي كانت شائعة في ذلك الوقت مثل غرندايزر وسندباد وميكي ماوس وغيرها من الشخصيات التي شكّلت ذاكرة جيل كامل، فكان يعيد رسمها بأسلوبه الخاص، ويطوّر قدرته على ملاحظة التفاصيل ونقل الحركة والتعبير، الأمر الذي جعله ينال إعجاب أصدقائه في المدرسة، ثم إعجاب أهله وأقاربه، فصاروا يرون فيه فنانًا صغيرًا يحمل موهبة واعدة. ومع مرور الوقت، لم يكتفِ برسم الشخصيات الكرتونية، بل بدأ ينتقل تدريجيًا إلى رسم الأشياء التي يراها جميلة وقريبة من روحه، مثل الأشجار، والأحجار، والفواكه، وكل ما يلفت نظره في الطبيعة والحياة اليومية، فكان يرسم ما يراه بعينيه وما يشعر به بقلبه، محاولًا أن يفهم الشكل والظل والضوء والعلاقة بين العناصر داخل اللوحة.
ومع هذا الشغف المتزايد، دخل مرحلة من التعب والمثابرة الشديدة، إذ كان يسهر الليالي الطويلة من أجل تطوير مستواه في الرسم، ويعيد المحاولة مرة بعد أخرى، الأمر الذي تطلب منه وقتًا طويلًا وصبرًا كبيرًا. لكنه، كأي فنان حقيقي، اصطدم في مرحلة معينة بما يشبه الحائط المسدود، وشعر باليأس والإحباط، وكأن تطوره توقف فجأة، وأن كل ما يفعله لا يوصله إلى النتيجة التي يحلم بها. في تلك اللحظة الصعبة، تواصل مع صديقه الفنان، وعرض عليه أعماله الفنية، فكانت كلمات الصديق بمثابة طوق نجاة حين قال له: ممنوع التوقف لأنك موهوب، لا تيأس. هذه الكلمات أعادت إليه الأمل، فقرر أن يستمر، وأن يجعل الرسم جزءًا من حياته اليومية، يرسم كل يوم دون انقطاع، إلى أن بدأت النتائج تظهر تدريجيًا، وشعر بالتحسن الحقيقي في مستواه، الأمر الذي أسعده كثيرًا.
عندما رأى صديقه هذا التطور، اندهش من التقدم الواضح في أعماله، وقال له مؤكدًا: ألم أقل لك لا تيأس؟ الرسم يحتاج إلى إرادة وتصميم وهدوء. من هنا، انتقل د. عباس دهيني إلى مرحلة جديدة في مسيرته الفنية، حيث بدأ يرسم اللوحات التي تعبّر عن عشقه للطبيعة والمناظر الطبيعية، فوجد فيها مساحة واسعة للتأمل والتعبير عن إحساسه بالجمال والسكينة. بدأ باستخدام قلم الرصاص، ثم انتقل إلى الفحم، وبعدها إلى الألوان الخشبية، وصولًا إلى الأكريليك والريشة، وكانت هذه المرحلة من أصعب المراحل، لأن الرسم بالريشة يتطلب تقنيات دقيقة ومثابرة عالية وتحكمًا كبيرًا في اللون والخط. اعترف بأنه خرب الكثير من اللوحات في البداية، لكنه لم يتراجع، بل اعتبر كل لوحة فاشلة خطوة نحو التعلم.
ومع مرور الوقت، ومن خلال التعلم الذاتي والمتابعة المستمرة عبر مواقع فنية عديدة، بدأ يتقن العمل بالريشة بشكل أفضل، ولم يتعلم على يد أستاذ بشكل مباشر، بل كان يعتمد على نفسه، ويستشير صديقه الفنان في بعض اللوحات، يستمع إلى ملاحظاته وتعليقاته، وكان هذا الصديق حاضرًا معه خطوة بخطوة، يوجّهه وينصحه حتى قال له في لحظة حاسمة: انطلق الآن لوحدك، أصبحت فنانًا جيدًا، وعليك أن تطوّر نفسك بنفسك. كانت هذه العبارة إعلانًا غير مباشر عن نضوجه الفني، وعن انتقاله من مرحلة التعلّم إلى مرحلة الاستقلال الفني.
اليوم، يشارك د. عباس دهيني في العديد من المعارض الإلكترونية، وقد حصل على شهادات تكريم عربية وعالمية عديدة، وهو مشترك في أكاديميات كثيرة للفنون التشكيلية، ما يعكس حضوره الفاعل في المشهد الفني المعاصر. ولم يتوقف عند حدود الرسم التشكيلي فقط، بل أسّس لنفسه مسارًا متكاملًا في فنون الغرافيك ديزاين والتصوير الفوتوغرافي، جامعًا بين الحس التشكيلي والرؤية البصرية الحديثة، ليقدّم تجربة فنية غنية تجمع بين الأصالة والتجديد، وتعكس رحلة طويلة من الإصرار والتعب والشغف، رحلة بدأت من حصة رسم بسيطة في المدرسة، وانتهت إلى عالم واسع من الإبداع والإنجاز الفني







تعليقات
إرسال تعليق