برنامج سير الشعراء والأدباء
الفقرة السادسة من برنامج سير الشعراء والأدباء
اليوم نتكلم عن الشاعر الدكتور عبد الواحد كاظم العميري من جمهورية العراق، وهو شاعر يمتلك تجربة شعرية مميزة وحضورًا ثقافيًا واضحًا، عبّر في قصائده عن الإنسان والوطن بأسلوب صادق، وأسهم بإبداعه في إثراء المشهد الأدبي العراقي
بوصفه حالة إبداعية متكاملة لا يمكن اختزالها في مسار واحد، إذ تتداخل في تجربته الكلمة مع اللون، والفكرة مع الإحساس، والذاكرة مع التجريب، فقد وُلد عام 1961 في العراق، محافظة واسط، قضاء الأحرار، في بيئة حملت بساطتها الأولى بذور التشكّل الروحي والجمالي، ومنذ طفولته المبكرة انجذب إلى الرسم بوصفه لغة صامتة قادرة على التعبير عمّا تعجز عنه الكلمات أحياناً، فكان شغفه المبكر بالألوان والخطوط مترافقاً مع اهتمامه بالأعمال اليدوية والخط والنحت على الحصى وتشكيل الأشجار، وهي ممارسات طفولية في ظاهرها لكنها كانت تشير بوضوح إلى وعي فطري بالجمال وإلى ميل عميق لإعادة تشكيل العالم المحيط به وفق رؤيته الخاصة. ومع انتقاله إلى مراحل الدراسة، لم تبقِ موهبته حبيسة الجدران، بل ظهرت بوضوح من خلال مشاركاته المتعددة في معارض المدارس، حيث بدأ اسمه يُعرف بوصفه موهبة مختلفة تجمع بين الدقة والخيال، ثم ما لبث أن توسعت مشاركاته لتشمل المسابقات والمعارض القطرية، محققاً فيها المراتب الأولى والمتقدمة في الرسم والأعمال اليدوية، ولم يتوقف حضوره عند التشكيل، بل برز أيضاً في الشعر الفصيح والشعبي، ليؤكد منذ وقت مبكر امتلاكه لطاقتين إبداعيتين تسيران جنباً إلى جنب، طاقة الصورة وطاقة اللغة، وهو ما شكّل لاحقاً السمة الأبرز في مشروعه الثقافي. ومع نضج التجربة، انفتح الدكتور عبد الواحد العميري على المؤسسات الفنية والأدبية، فكان عضواً في المركز العالمي للفنون التشكيلية، وعضواً سابقاً في جمعية الشعراء الشعبيين، وحصل على شهادة الاستحقاق الفني الدولي من منتدى الفنون التشكيلية الدولي في المغرب، وهي شهادة لم تكن مجرد تكريم بل اعتراف بخصوصية تجربته وقدرته على تقديم خطاب بصري مختلف. كما أصبح عضواً فاعلاً في الواحة الدولية للفنون والآداب في دولة فلسطين العربية، وعضواً في فنانون بلا حدود التي منحته شهادة الدكتوراه الشرفية العليا والبطاقة الذهبية، تقديراً لإسهاماته الفنية والإنسانية، وتأكيداً على أن الفن لديه ليس ترفاً جمالياً بل رسالة تحمل بعداً أخلاقياً وإنسانياً. وتوالت بعد ذلك شهادات الدكتوراه الفخرية من مؤسسات عربية ودولية متعددة، منها شهادة الدكتوراه الفخرية من اتحاد المثقفين العرب عن بحثه الموسوم ((الرسم بالقهوة))، وهو بحث يكشف عن عقلية تجريبية جريئة ترى في المادة اليومية البسيطة أفقاً جمالياً مفتوحاً، كما حصل على شهادة الدكتوراه الفخرية من المجموعة الطبية السورية، ومن الهيئة العربية للإرسال في دولة فلسطين العربية، إضافة إلى شهادة الدكتوراه الفخرية وميدالية السلام من البرازيل، وشهادة الدكتوراه الفخرية الدولية من الأكاديمية العالمية للتنمية البشرية والحوارات في دولة فلسطين العربية، وشهادة الدكتوراه الفخرية من منظمة الحدود الدولية للسلام والمنظمة الإنسانية IFPHO، وهي تكريمات تعكس اتساع أثره وتنوع حضوره خارج حدود الجغرافيا. وإلى جانب ذلك، كان عضواً في المركز الإبداعي للفنون والآداب وله نتاجات مطبوعة فيه رسماً وشعراً، وعضواً في المركز الدولي لرواد الفن التشكيلي، وعضواً في منتدى الفنون التشكيلية الدولي، كما حاز على العديد من الدروع وشهادات التكريم من العراق وفلسطين ومصر وسوريا والأردن، في مسيرة حافلة بالعطاء والاعتراف. وقد حظيت تجربته التشكيلية بأربع دراسات نقدية متخصصة، الأولى بقلم الأستاذ الناقد سيد جمعة سيد من مصر، والثانية بقلم الدكتور الراحل الناقد عمران بشنة العجيلي من ليبيا، والثالثة بقلم الدكتور الكبير الداديسي من المغرب، ثم الرابعة بقلم الأستاذ الدكتور حازم السعيدي من العراق، وهي دراسات أسهمت في تفكيك لغته البصرية وتحليل تقنياته ورؤيته الجمالية، وأكدت أن تجربته لا تقوم على المصادفة بل على وعي معرفي وفني عميق. ويؤكد الدكتور عبد الواحد العميري أن الرسم هو سيدة هواياته ومجاله الأقرب إلى روحه، إذ يجيده بمختلف الخامات والأساليب، من الرصاص والفحم والتنقيط، إلى الرسم بالكلمات في تداخل واضح بين الشعر والتشكيل، والرسم بالزيت، وأقلام الجاف، وأقلام الخشب، والرسم بحرق الخشب، والرسم بالقهوة، والرسم على أوراق الشجر، والرسم ثلاثي الأبعاد، إضافة إلى الأعمال اليدوية وتشكيل الأشجار، ليقدّم تجربة موسوعية تتجاوز حدود التقنية إلى فضاء الرؤية. وعلى المستوى الشعري، يقدّم العميري نصوصاً تتسم بالجزالة والقدرة العالية على الاشتغال اللغوي الصعب، ومن أبرز ذلك أبياته الخالية من النقطة، التي يقول فيها:
🌹 دُرَرُ ٱلدُّهورِ عَلى ٱلمَدى كُرَماؤُها.. 🌹
صَلّى ٱلإَلهُ عَلى ٱلرّسُولِ وَآلِهِ
أَسمى رَوائِعَ مَدحِهِم عَصماءُ
صَلّوا وَسَلِّموا لِلمَعادِ مَئالُها
وَعدُ ٱلحَصادِ وَلِلحَصادِ عَطاءُ
أَوحى ٱلوَدودُ مُؤَكِّداً لِرَسُولِهِ
كُلٌّ لَهُم أَمرُ ٱلوِدادِ سَواءُ
دُررُ ٱلدّهُورِ عَلى ٱلمَدى كُرَماؤها
وَسمٌ عَلاها وَٱلمِدادُ دِماءُ
لُحَمُ ٱلهُدى وَٱلدَّهرُ حاكَ رِداءَهُ
وَسَدى ٱلمُحاكِ عَطاؤُهُم أَصداءُ
رُسُلُ ٱلسَّلامِ إِلى ٱلوَرى أَعلامُها
سُوحُ ٱلرَّدى لِمَرامِهِم سَراءُ
وهي أبيات تكشف عن شاعر يمتلك ناصية اللغة، ويجيد تطويعها ضمن شروط فنية دقيقة، ويجمع بين المدح الروحي والبناء اللغوي الصارم، لتغدو تجربته الشعرية امتداداً عضوياً لتجربته التشكيلية، فكلاهما يصدران عن رؤية واحدة ترى في الجمال فعلاً إنسانياً ورسالة سلام، وتجعل من الإبداع جسراً دائماً بين الروح والواقع، وبين الإنسان وقيمه العليا

تعليقات
إرسال تعليق