الفقرة الثالثة من برنامج سير الشعراء والأدباء
نلتقي اليوم في محطة جديدة من هذا البرنامج مع ضيفٍ يضيء حضوره فضاء الكلمة، الشاعر الفلسطيني حسين جبارة، ابن مدينة الطيبة قضاء طولكرم، وحارس الذاكرة الفلسطينية الذي حمل القصيدة رفيقة درب، ووضع حروفه على بوابات الوطن لتبقى شاهدة على الحلم والصمود والجمال.
نوجّه من خلاله تحية محبة وإجلال إلى أهلنا في فلسطين، أرض الأنبياء والقدس والكرامة، ونقول لضّيفنا العزيز:
أهلاً وسهلاً بك في بلدك الثاني العراق، بين قلوبٍ تعرف قيمة الشعر، وتقدّر صوت الأرض حين يتجلى في شاعر كبير مثلك
في مسيرة ممتدة عبر الزمن والانتماء، يبرز الشاعر حسين جبارة، المولود عام 1943 في مدينة الطيبة قضاء طولكرم، كشخصية تجمع بين بساطة النشأة وعمق الوجدان، فترعرع في كنف أسرة فلاحية يعمل أبوانها في الزراعة والفلاحة بين كروم الزيتون وحقول الخضروات البعلية والحبوب، فانتشل من تلك الأرض نبضه الأولي وتكوّن لديه إحساس مبكر بالصبر والاعتماد على الذات أمام قساوة الطقس وتقلبات الأحوال السياسية والاجتماعية التي فرضت نفسها على البيت والمجتمع؛ وقد علّمتْه تربة الفلاحين دروس الكدّ والصبر والحِكمة العملية، بينما علّمه والده الأمي الطموح وحبّ العلم، وعلّمته والدته التواضع والاكتفاء والقوّة الوجدانية في مواجهة الأزمات، فصار تعلمه للقراءة وحفظه للقرآن بين يدي والده طقسًا يوميًّا تُصقل به الموهبة وتنمو لديه عادة الإتقان والصبر. نشأ حسين في أسرة أمّية، لم تتقن القراءة أو الكتابة، لكنها تميّزت بذكاء فطري وحياء وجداني ساعدها على تحقيق إنجازات حياتية رغم الفقر والدخل الاقتصادي المتواضع؛ كانت العائلة —أب وام وابن وبنتان— نموذجًا للكرامة والشهامة والانتماء، وهو ما رسّخ في شاعرنا إحساسًا بالواجب نحو القضية العامة، فاتسعت وعيه مبكرًا لمآسي شعبه وللتراخي الإقليمي والدولي في التعامل مع حقوق اللاجئين والنازحين الفلسطينيين، فارتبط منذ شبابه بقضية وطنه وانخرط في أنشطته الوطنية، مشاركًا في الإضرابات والمظاهرات ومساندًا للأطر السياسية المناضلة، حتى باتت القضية نبضًا لا ينفصل عن تجربة حياته وشعره. تعليمياً ومهنيًا، التحق حسين بدار المعلمين العربية بيافا، ومن ثم خاض ميدان التدريس في قرى طمرة بالجليل وكفر قرع وباقة الغربية في المثلث، وتدرج في المراكز التربوية من معلّم ومرشد إلى نائب مدير ثم مدير مدرسة إعدادية، ومن خلال عمله المدرسي واصل السعي للتطوير فتابع دراسته الجامعية وحصل على البكالوريوس وشهادتي تدريس وإدارة، ونفّذ مشاريع تربوية مبتكرة طبّقها في مدرسته فحصدت جائزة التربية الممنوحة من قبل رئيس الدولة، دالّةً على إيمانه بأن المدرسة ليست مجرد مكان للدرس بل فضاء لبناء الإنسان والقيم. قارئ نهم ومثقف ينهل من الأدب العربي والمترجم، وقد راجع الكثير من المؤلفات أكثر من مرة، ومع تقدم العمر تصاعد شغفه بالشعر فأضحى كتابة القصيدة ممارسة جادة بعد سنوات طويلة من التزامات الحياة؛ وفي فترة قصيرة أصدر دواوين مطبوعة لاقت حضورًا واضحًا: «القصائد الدافئة» و«القصائد الدافقة» و«القصائد الخافقة»، ويحتفظ بثلاثة مجاميع لم تُطبع بعد: «القصائد العابقة» و«القصائد العاشقة» و«القصائد الناطقة»، مما يعكس استمرار إنتاجه وانخراطه في صياغة نصوص جديدة. نَشرت قصائده على منصات إلكترونية واسعة الانتشار في العالم العربي، وظهر عشرات المرات في أمسيات داخل فلسطين والضفة الغربية، كما شارك في فعاليات أدبية في مدن أردنية كـالسلط وعمان وإربد و(حاتم بني كنانة)، وحصلت نصوصه على تقييمات إيجابية في عدة مواقع نقلت صوته إلى جمهور أوسع؛ وفي الكتابة جمع بين قالبَي القصيدة العمودية والتفعيلة التي عشقها، وتنوّعت موضوعاته بين الوطن والقضية الفلسطينية، والعشق والمرأة، وقيم الأمل والقدرة، وقضايا التربية والمدرسة، فغدت في شعره فلسطين امرأة تلاقت مع معاناة الحب والحنين، والدين امتدادًا لهوية الوطن، والإنسان مُحركًا للتغيير، في لغة تمزجُ بساطة الحقل بعمق المثقف وبنبرة المعلم. وهو، خلافًا لما قد يظن البعض عن شعراء خرجوا من صيرورة صاخبة، يستقبل الملاحظة والنقد البنّاء بصدر رحب ويعمل على صقل صيغته الشعرية والارتقاء بها، ما يجعله شاعرًا في حالة نمو دائم لا يرى في الكتابة هدفًا للاستهلاك بل رسالةً أخلاقية وإنسانية؛ فهو يؤمن بأن للأديب واجبًا في التعبير عن هموم أمته والمساهمة في صياغة حياة كريمة، وأن الشعر وسيلة للحرية والتغيير وبناء حضارة متقدمة. وباختصار، حسين جبارة روحٌ تربوية متجذرة في الأرض، وصوتٌ شعري اقتُلع من تجارب الفلاح والبيت والألم الوطني، وحياةٌ مهنية مكرّسة للتعليم والخدمة المجتمعية، تجمع بين الوفاء للجذور والالتزام بالقلم، بين العمل الميداني والوعي الفكري، ليكون نموذجًا لأديبٍ صنع من بساطة النشأة وألم التاريخ أدواتٍ لصياغة قصائد تحملُ رسالة إنسانية ترتقي فوق الخصوصية إلى أفقٍ عامّ من الأمل والكرامة والحرية
ومن أهم أبياته الشعرية:
أُمّي وَلَدَتْني حُرًّا وأبيًّا
حقّي أن أُبْدعَ موّالًا وعتابا
وأمارسَ عِشقًا وطنيًّا
يرفضُ درسًا ومواعظَ ذُلٍّ
أنظُمُ ملحمةً بمَشارفِ يافا بمداخلِ قُدسي
++++++++++
أحضُنُ أمَي أعهدُها
آتيها سُحُبًا، باركَ ربٌّ
تحملُ خَيْرًا،
تهمي غيثًا يتدفّقُ سيْلًا في الوادي
توفي حُبًّا، يُسْقي غوْرًا يُرْوي نَقَبًا
يُؤتي أُكُلًا
للنبتِ وللطّيرِ وللإنْسِ

تعليقات
إرسال تعليق