برنامج سير الشعراء والأدباء

الفقرة السابعة من برنامج سير الشعراء والأدباء

اليوم نسلّط الضوء باختصار على الشاعر عصام بن براهم من الجمهورية التونسية 🇹🇳

شاعر تونسي برز بأسلوبه الإنساني والوجداني، يستلهم قصائده من الوطن، والهوية، وقضايا الإنسان، موظفًا لغة شعرية صادقة تعبّر عن مشاعر عميقة وتجربة حياتية ثرية.

حضر اسمه في المشهد الثقافي عبر مشاركاته الأدبية، وأسهم بقلمه في إثراء الساحة الشعرية التونسية والعربية

وفي هذا الموعد الثقافي نفتح نافذة إنسانية وأدبية عميقة على تجربة شاعرٍ تونسيٍّ استثنائي، حمل القلم رسالة، وحوّل التحدّي إلى معنى، والألم إلى وعي، والكلمة إلى فعل حياة. نتحدث اليوم عن الشاعر عصام بن براهم من جمهورية تونس، ذلك الصوت الذي لم يولد من رحم العادية، بل تشكّل منذ اللحظة الأولى في حضن القدر، حاملاً خصوصية التجربة وصدق الرؤية وقوة الإيمان بالرسالة

يعرّف عصام بن براهم نفسه بتواضع العارفين قائلاً: أنا العبد الفقير إلى رحمة ربه، وهي عبارة تختصر الكثير من ملامح شخصيته، حيث يجتمع الإيمان العميق مع الوعي الإنساني العالي. كان مسقط رأسه في مدينة منزل تميم من ولاية نابل، تلك المدينة التي شهدت بداياته الأولى قبل الأوان، إذ جاءت ولادته مبكرة بعد ستة أشهر وأسبوعين فقط، في حدثٍ كان من الممكن أن يُقرأ كضعف، لكنه في مسار حياته تحوّل إلى نقطة انطلاق لقوة داخلية نادرة. وبين مدينة منزل تميم، حيث البداية البيولوجية للحياة، ومدينة الهوارية الأصيلة، حيث النشأة والتكوّن، تشكّلت شخصيته بين الجغرافيا والذاكرة، وبين البحر والطبيعة، وبين الصمت والتأمل

مدينة الهوارية لم تكن مجرد مكان للإقامة، بل كانت فضاءً مفتوحاً لتشكّل الحسّ الجمالي لديه، ففي ربوعها ترعرع، ومن طبيعتها الساحرة استقى عمق الإحساس، ومن هدوئها تعلم الإصغاء، ومن اتساع أفقها تشكّل لديه ذلك الميل المبكر للتفكير والتأمل. نشأ عصام وهو يحمل في قلبه وروحه، قبل عقله، إحساساً داخلياً عميقاً ويقيناً ثابتاً بأنه خُلق لحمل رسالة عظيمة في هذه الحياة، رسالة لا تقوم على الشكوى ولا على الاستسلام، بل على الفهم والتجاوز وبناء المعنى من رحم المعاناة

شهد له كل من عايش طفولته بحدة الذكاء وقوة النباهة ورجاحة العقل، رغم صغر سنه، بل ربما بسبب تلك الخصوصية التي جعلته يسبق أقرانه في الوعي والإدراك. كان المحيط العائلي، إلى جانب التوفيق الإلهي، سنداً حقيقياً له، حيث وجد الدعم والاحتواء والإيمان بقدراته، وهو ما منحه ثقة مبكرة بالنفس، ورسّخ لديه الإحساس بالقيمة والجدوى

وبسبب الولادة المبكرة، لم يتمكن عصام بن براهم من عيش طفولة عادية بالمعنى المتعارف عليه، إذ رافقته إعاقة جسدية منعته من المشي، لكن تلك الإعاقة لم تكن نهاية الطريق، بل كانت بداية مسار مختلف. لم تحرمه من الطفولة، بل جعلتها طفولة من نوع آخر، طفولة وُلد فيها العقل قبل الجسد، ونضج فيها الوعي باكراً، واكتسب فيها قدرة استثنائية على الصبر ومجابهة الصعاب. لقد عوّض الجسد الثابت بعقل متحرك، وروح قلقة بالأسئلة، وقلب مفتوح على المعنى

منذ سن التمدرس، وتحديداً في السادسة من عمره، بدأ عشقه للكتابة يتشكّل بهدوء، فكان يلتهم القصص الصغيرة التي يقتنيها من المكتبة التهاماً، لا يقرأها قراءة عابرة، بل يغوص في تفاصيلها، ثم يعود ليحاكيها، مقلداً الأسلوب، متأملاً اللغة، ومجرّباً قدرته على إعادة خلق الحكاية. هذا الشغف المبكر بالقراءة والكتابة أسّس لديه مبادئ اللغة والتعبير، وانعكس إيجاباً على مساره الدراسي، حيث أصبحت الكلمة أداة للفهم والتفوق والتواصل مع العالم

ومع بلوغه سن الثانية عشرة، اتسعت دائرة اهتمامه الثقافي، وأصبح قادراً على متابعة البرامج الثقافية المتخصصة في مختلف صنوف الأدب، فكانت تلك المرحلة مفصلية في تطور ذائقته الأدبية. لم تعد القراءة مقتصرة على القصص البسيطة، بل انفتحت على عوالم أوسع، فاطّلع على الأساليب الروائية والفكرية لكبار الأدباء العرب، أمثال عميد الأدب العربي طه حسين، والأديب العالمي نجيب محفوظ، والكاتب الكبير حنا مينه، وغيرهم من الأسماء التي شكّلت وجدان الأدب العربي الحديث

من خلال هذا الاطلاع المتنوع، بدأ عصام بن براهم يكوّن أدواته الخاصة، وأصبح قادراً إلى حدٍّ ما على محاكاة ذلك الأسلوب الراقي، ليس تقليداً أجوف، بل فهماً عميقاً لبنية النص وروحه. غير أن النقلة النوعية الحقيقية في أسلوبه جاءت عندما تعرّف على كتاب “وحي القلم” للأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي، ذلك الكتاب الذي لم يكن مجرد قراءة عابرة، بل تحوّل إلى رفيق دائم، لما يحمله من جزالة لغوية، وعمق فكري، ودقة في المعاني، وروح إيمانية وإنسانية عالية، وهو ما ترك أثراً واضحاً في تشكيل أسلوبه الأدبي إلى اليوم

على المستوى الأكاديمي، وبعد إتمامه الثانوية العامة، التحق بكلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة تونس المنار، حيث قضى أربع سنوات من الدراسة الجادة والمثابرة، تُوّجت بالحصول على الإجازة الأساسية في القانون الخاص. ولم يتوقف طموحه عند هذا الحد، بل واصل مسيرته العلمية بالتسجيل في الماجستير المهني في الديمقراطية وإدارة الانتخابات، ليؤكد بذلك أن الوعي بالقانون والسياسة جزء لا يتجزأ من رسالته الإنسانية والفكرية. وقد تحصل على شهادة الماجستير بعد مناقشة رسالة علمية تناولت موضوع التربية المدنية وآليات إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة في الانتخابات، وهو موضوع يعكس بوضوح تلاقي تجربته الشخصية مع اهتمامه المجتمعي والحقوقي

خلال سنوات الدراسة الجامعية، لم تكن الطريق سهلة، إذ كان يتنقل جيئة وذهاباً من مدينة الهوارية إلى العاصمة، مسافة تقارب 120 كيلومتراً، صحبة والده، في رحلة يومية تختزل معاني الصبر والتضحية والدعم الأسري الصادق. كانت تلك الرحلات مدرسة أخرى في الحياة، تعلّم فيها معنى الالتزام، وقيمة الوقت، وأهمية الإصرار رغم التعب والمشقة.

كان عصام بن براهم واعياً منذ وقت مبكر بأن التهاون مرفوض، وأن الاستسلام ليس خياراً، مهما كانت الصعوبات، سواء كانت مادية، أو بشرية، أو نفسية، أو اجتماعية. وقد تعرّض خلال مسيرته إلى أشكال مختلفة من الوصم والنظرة القاصرة، لكنه تعامل معها بوعي عالٍ، متغاضياً عنها، ومؤمناً بأن الإنسان لا يُقاس بنظرة الآخرين، بل بما يصنعه بنفسه وبما يقدمه من قيمة ومعنى

لقد شكّلت تجربته الحياتية مدرسة متكاملة في الصبر والمقاومة الهادئة، وأكدت أن الظروف، مهما كانت قاسية، لا ينبغي أن تكون مبرراً للهزيمة، بل دافعاً للتحدي وإعادة بناء الذات. وفي هذا السياق، يستحضر عصام بن براهم المعنى القرآني العميق لقوله تعالى: “ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين”، وهي آية تختصر فلسفته في الحياة، وتلخّص إيمانه بأن العلو الحقيقي هو علو الروح، وعلو الإرادة، وعلو القيم

إن سيرة الشاعر عصام بن براهم ليست مجرد مسار شخصي، بل هي شهادة حيّة على قدرة الإنسان على تحويل المعاناة إلى وعي، والضعف الظاهري إلى قوة داخلية، والكلمة إلى رسالة حياة، وهو نموذج ملهم لكل من يظن أن الطريق مغلق، بينما الحقيقة أن الأبواب تُفتح بالإيمان، والعمل، والصبر، وحسن الظن بالله

ومن أهم أبياته الشعرية – في صميم القلب ✨🖋️

في هذه الأبيات يلامس الشاعر عصام بن براهم جوهر الوجدان الإنساني، ويغوص عميقًا في علاقة القلب بربه، كاشفًا عن صراع النفس بين الغفلة واليقظة، وبين الذنب والإنابة، بأسلوبٍ مشحون بالإيمان والحكمة والتجربة الصادقة:

إنَّ القلوبَ إذا ما تكلَّمتْ وَجِلَتْ

من الجليلِ واجترعتْ من الندمِ

تدنو المعاصي منها وهي جاهلةٌ

لقدرِ اللهِ وعينُ اللهِ لم تنمِ

برنو من الأفقِ القريبِ لعبدهِ

يُصغي لهُ وقلبُ العبدِ في غَمَمِ

يقضي دهورًا طوالًا يستلذُّ وما

يُغني التلذذُ إنسانًا عن الغَمَمِ

وما طيِّباتُ الحياةِ وزخرفُها

إلّا كسَقي العطشانِ من يَمَمِ

كلّما استزادَ العصاةُ زادَ ذنبُهم

وإن أنابوا فُضَّ الذنبُ واللَّمَمِ

اشرب دموعَك لا تبكِ الديارَ فما

ضاعتْ حياةُ الورى إلّا بذا العدمِ

فلا أصنامَ ولا أوتادَ نرفعُها

ولا عونَ يأتيكَ من ذي رحمِ

فلا الأرحامُ ولا الأحبابُ تنفعُنا

إذا خلا القلبُ من صدقٍ ومن قِيَمِ

عبارةٌ شعريةٌ تنبض بالصدق، وتُجسّد رؤيةً روحيةً عميقة، يذكّرنا فيها الشاعر بأن خلاص الإنسان ليس في زخرف الدنيا ولا في الاتكاء على الخلق، بل في صفاء القلب، والعودة الصادقة إلى الخالق، حيث الطمأنينة، والنجاة، والمعنى الحقيقي للحياة🌿🤍

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الفقرة العاشرة | سير الشعراء والأدباء – الشاعر الأردني جمال الشلالدة

برنامج سيرة الفنانين التشكيليين

معرض مشترك بين أكاديمية حمورابي للثقافة والفنون وأكاديمية الحضارة اليمنية الدولية: تجربة فنية وثقافية فريدة"