برنامج سير الشعراء والأدباء



الفقرة الرابعة – برنامج سير الشعراء والأدباء

الشاعرة: ماري العميري – جمهورية العراق

في إطار المسار الثقافي الذي تتبنّاه سلسلة حلقات برنامج "سير الشعراء والأدباء"، والذي يسعى إلى الكشف عن التجارب الإبداعية التي تركت بصمة واضحة في المشهد العربي، جاءت الفقرة الرابعة لتضيء جانباً مهماً من التجربة الأدبية العراقية المعاصرة، عبر الوقوف عند إحدى الشخصيات التي تجمع بين المعرفة الأكاديمية والرهافة الشعرية والوعي العميق بالكتابة، وهي الشاعرة ماري العميري، التي استطاعت بصوتها الهادئ وموهبتها المتّقدة أن تحجز لنفسها مكانة مميزة بين الأصوات النثرية والشعرية في العراق.

نبذة أكاديمية وأدبية – تأسيس الوعي وبداية التفرّد

تنتمي الشاعرة ماري العميري إلى بغداد؛ هذه المدينة التي تُنبت الشعراء كما تُنبت النخل، وتمنح أبناءها لغة مشبعة بالتاريخ ومرصّعة بظلال الحضارة.

وتحمل الشاعرة شهادة الماجستير في اللغة الإنجليزية، وهو تخصّص لم يكن بالنسبة لها مجرد تحصيل علمي، بل بوابة واسعة فتحت لها أفقاً جديداً من جماليات الأدب العالمي، ومكّنتها من التعرّف على مدارس شعرية مختلفة، وأساليب متنوّعة في صياغة الصورة والخيال.

لقد منحتها هذه المعرفة الثنائية باللغتين العربية والإنجليزية قدرةً استثنائية على قراءة النصوص بعمق، وتذوّق الإيقاع، واكتشاف أسرار الجملة الشعرية، فانعكس ذلك على كتابتها التي تجمع بين الاحساس الشرقي واللمسة الحديثة القادمة من ثقافة واسعة ومتعددة.

وهكذا باتت ماري العميري تكتب نصاً يحمل ملامح الأصالة والانفتاح، ويستند إلى جذور راسخة ورؤية مستقبلية في آن واحد.

البدايات الأولى… حين ولدت اللغة قبل القصيدة

لم تكن بدايات ماري العميري عابرة. فقد كانت ملامح موهبتها تتفتح في وقت مبكّر من حياتها، وتحديداً خلال مرحلة المتوسطة، حين أُسندت إليها مهام تنظيم فقرات الإلقاء والفعاليات المدرسية.

كان ذلك أول اعتراف علني بأن صوتها مختلف، وأن حسّها بالكلمة ليس عادياً، فبدأت تكتب "كلمة الخميس" التي تُلقى أمام الطلبة، وتصوغ عبارات تتجاوز عمرها، وتلامس مساحات من الشعور لم تكن معروفة في ذلك السن.

ومع انتقالها إلى المرحلة الإعدادية، بدأت الصورة تزداد وضوحاً.

أصبحت تكتب خواطر تميل إلى النثر، تمتلئ بالصور الوجدانية والخيال، وتكشف عن قدرة مبكرة على التعبير الداخلي.

كانت كتابتها آنذاك بسيطة، لكنها مفعمة بالصدق، وفيها جمر عاطفي لا ينطفئ.

ولم تتخلّ الشاعرة يوماً عن هذه الشرارة، بل جعلتها رفيقة دربها، تمارسها بصمت حيناً، وبشغف متدفق حيناً آخر.

التحدّيات وصوت الإصرار… كيف بقيت الكتابة حيّة؟

لم تكن الطريق مفروشة بالسهولة. فالسنوات الدراسية والالتزامات المتعددة فرضت على الشاعرة فترات من الانقطاع أو التراجع في مساحة الوقت المتاحة للكتابة، إلا أن شغفها كان دائماً ينتصر، ويعود ليأخذ مكانه الطبيعي.

لم يكن الابتعاد عن الكلمات خياراً حقيقياً، فالكتابة بالنسبة لها ليست هواية، بل حاجة داخلية تشبه التنفس.

كانت تعود للقلم كلما ضاقت الأيام، وتكتب حين تخذلها المسافات، وتلوذ بالكلمات لتستعيد توازنها.

وهذا الثبات في الموهبة، رغم كل الظروف، هو ما منح تجربتها بعداً إنسانياً واضحاً، لأن النصوص التي تولد من التحدي تحمل حرارة لا يمكن استنساخها.

من الكتابة الأولى إلى منصة النشر… مرحلة التحاق الصوت بالمشهد الثقافي

ومع مرور الوقت وتراكم التجربة، انتقلت الشاعرة من كتابة النصوص الخاصة إلى نشر أعمالها رسمياً، لتبدأ مرحلة جديدة أكثر وضوحاً وحضوراً.

لم يكن النشر هدفاً بحد ذاته، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من القراءة والكتابة والمراجعة، حتى اكتمل صوتها وتشكلت لغتها الخاصة.

جاءت أولى إصداراتها لتكشف عن شاعرة تمتلك عمقاً روحياً وقدرة على البناء الجمالي، فحجزت لنفسها مكاناً في الوسط الأدبي، وبدأت أعمالها تُقرأ باهتمام، وتجد طريقها إلى جمهور أوسع.

إصدارات الشاعرة – محطات مضيئة في مسارها الأدبي

1- "تهجدات التيه" – ديوان مطبوع

عمل شعري يتسم بالنبرة الروحية العميقة، ويقف عند مناطق حساسة في التجربة الإنسانية، من بحث وضياء، ومن شكّ ويقين، ومن ضياعٍ يقود إلى معرفة جديدة.

تميّز الديوان بتصوير وجداني شفاف، ولغة شاعرية هادئة تتسلل إلى القارئ دون صخب، وبصور مشبعة بتأملات الذات.

2- "سفر من وهم" – ديوان إلكتروني

يمثل خطوة أكثر جرأة، من حيث الشكل والمحتوى.

في هذا الديوان، تتجلى القدرة على توظيف الخيال واستخدام الرموز، وبناء نصوص تتداخل فيها الرؤية الفلسفية مع الحسّ العاطفي.

واختيار النشر الإلكتروني منح الديوان فرصة للوصول إلى قرّاء في دول متعددة.

3- ديوان ثالث قيد الطباعة

تعمل الشاعرة حالياً على ديوان جديد يُتوقع أن يكون أكثر نضجاً واتساعاً في الرؤية، نتيجة اتساع قراءاتها وخبرتها.

ومن المتوقع أن يحمل الديوان لغة أكثر عمقاً، وصوراً ذات امتداد وجداني وتخيّلي أكبر.

أسلوبها ومميزات تجربتها – حين تتحدث اللغة بصفاء الروح

يمكن تلخيص خصائص أسلوب الشاعرة ماري العميري بما يلي:

لغة ناعمة وشفافة تنساب بهدوء وتترك أثراً عميقاً.

صور شعرية تتكئ على الإحساس أكثر من التكلف البلاغي.

قدرة على دمج الروح الأنثوية مع فلسفة الحياة بطريقة رقيقة وواضحة.

حضور وجداني عميق يجعل النص قريباً من القارئ مهما اختلفت تجربته.

انعكاس ثقافتها العالمية على كتاباتها، مما يضفي على النص حسّاً حداثياً رشيقاً.

طابع تأملي يجعل القصيدة أشبه بمساحة حوار داخلي.

مكانتها في المشهد الثقافي العراقي

اليوم، تُعد ماري العميري واحدة من الأصوات الأدبية النسوية التي أثبتت نفسها في المشهد العراقي.

لا لأنها تمتلك موهبة فقط، بل لأنها تمتلك وعياً وشغفاً متواصلاً بالتطوير.

أعمالها، مشاركاتها، حضورها المتزن، كلها جعلتها اسماً يحظى باحترام وتقدير، وصوتاً ينتظر القراء منه المزيد.

خاتمة – الكتابة كقدر… والموهبة كطريق لا ينطفئ

لقد جاءت الفقرة الرابعة من برنامج "سير الشعراء والأدباء" لتقدّم تجربة ليست عابرة، بل تجربة كُتبت على مهل، ونمت بهدوء، وتشكلت عبر سنوات من البحث والمثابرة والقراءة والحلم.

إن الشاعرة ماري العميري نموذج لصوت يؤمن بأن الكلمة ليست مجرد حبر، بل حياة كاملة تُكتب في كل مرة من جديد.

وهي اليوم تسير بثبات نحو مساحة أوسع من التأثير، وتؤكد أن الأدب الحقيقي يولد من الإصرار والصدق والرؤية الواضحة.

ومن أجمل أبياتها الشعرية:

أكتب لأني لا أعتذر

خرجتُ من فسيفساء الغياب،

أُرتّق حواف النسيان

بخيطٍ من عبيرٍ قديم

كان ينام في ثنايا شالي.

الريح تسرّح شعري كما يحلو لها،

كأنها تعرف أني

أحب الفوضى حين تشبهني،

وحين أكون قصيدة تمشي حافيةً

في شارعٍ من ضوءٍ مكسور.

أحملني كما تحمل الأمّ حلمًا نائمًا،

أغنّي للحظة لم تأتِ،

لكنني أحبّ أن أعدّ لها المقعد والنافذة

وغطاءً مطرزًا بخجل الانتظار.

مرآتي لا تكذب،

لكنها لا تخبرني أيضًا

كيف صرتُ كائنةً تكتب المطر

وتُخفي في كُمّها

رائحة حريقٍ قديم.

كل الأمكنة ترتجف حين ألمسها،

فأنا أكتب بالأطراف الباردة

وأفكّك الصمت كما تُفكّك عاشقة

ضفيرة الغياب كل مساء.

لا أبحث عن يدٍ تمسك بي،

أنا من تتكئ على ظلّها،

تُصغي لنفسها كما تُصغي العرّافةُ لحكاية الغيم،

وتنقش في الهواء ملامحها

كي لا تضيع إن هبّت رياح الوحدة.

في الليل،

أُربّي نجمة في راحتي

وأهمس لها:

حين أنسى الأسماء ولا أنسى ملامحي،

حين أكتب لأني لا أعتذر،

سأعرف أني وصلت

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الفقرة العاشرة | سير الشعراء والأدباء – الشاعر الأردني جمال الشلالدة

برنامج سيرة الفنانين التشكيليين

معرض مشترك بين أكاديمية حمورابي للثقافة والفنون وأكاديمية الحضارة اليمنية الدولية: تجربة فنية وثقافية فريدة"