برنامج سير الشعراء والأدباء
الفقرة التاسعة من برنامج سير الشعراء والأدباء
نخصصها للحديث عن الشاعر الغنائي ربيع فارس عبد التواب من جمهورية مصر العربية – محافظة الجيزة، شاعر امتدت تجربته الإبداعية لأكثر من عشرين عامًا، كتب خلالها الشعر العامي والقصيدة والفصحى، معبرًا بصدق عن هموم الإنسان البسيط وقيم المجتمع. تميز شعره بالحكمة الشعبية واللغة القريبة من القلب، فكانت كلماته دعوة للتواصل الإنساني، ونبذ العزلة، والتمسك بالمودة وصلة الأرحام، ليبقى شعره شاهدًا على تجربة إنسانية ناضجة وصوتًا صادقًا من أصوات الشعر الغنائي المصري
نقف اليوم أمام تجربة شعرية إنسانية عميقة للشاعر الغنائي ربيع فارس عبد التواب من جمهورية مصر العربية – محافظة الجيزة، شاعر حمل هموم الناس في قلبه، وصاغها كلمات صادقة نابضة بالحياة، فجاء شعره قريبًا من الشارع المصري، معبرًا عن الوجدان الجمعي، ومخاطبًا العقل والقلب في آنٍ واحد. يبلغ الشاعر من العمر ستة وخمسين عامًا، وقد عمل بمحافظة الجيزة، وامتدت مسيرته الشعرية لما يزيد على عشرين عامًا من العطاء المتواصل، كتب خلالها الشعر العامي والقصيدة النثرية، كما طرق باب الفصحى، فتنوعت أدواته وتعددت أساليبه، وبقي الجوهر واحدًا: الصدق، والبساطة، والعمق الإنساني
ربيع فارس شاعر غنائي بمعنى الكلمة، لا يكتب من برج عاجي، ولا يتعالى على المتلقي، بل ينزل بكلماته إلى الشارع، إلى البيت، إلى جلسات الناس البسطاء، فيحاورهم بلهجتهم، ويشاركهم همومهم، ويعكس تجاربهم اليومية، لذلك نجد في شعره مزيجًا واضحًا من الحكمة الشعبية، والنصيحة الأخلاقية، والتأمل الفلسفي في معنى الحياة، والعلاقات الإنسانية، والزمن، والحزن، والفرح، والمصير. تجربته لم تتشكل فجأة، بل تراكمت عبر سنوات طويلة من المعايشة، والعمل، والاحتكاك المباشر بالناس، فصار الشعر عنده مرآة صادقة لما يراه ويسمعه ويشعر به
ومن خلال أبياته الشهيرة في قصيدة «الدنيا» تتجلى رؤيته بوضوح، حيث يقدم خلاصة تجربة إنسان عاش ورأى وتقلب بين الفرح والحزن، فبدأ بفكرة عميقة وبسيطة في آن واحد حين قال إن كل شيء يولد صغيرًا ثم يكبر إلا الحزن، فهو يولد كبيرًا ثم يصغر مع الزمن، وهي جملة تختصر فلسفة كاملة عن قدرة الإنسان على التعايش، وعن أن الألم مهما كان قاسيًا في بدايته، فإن الزمن يمنحه قدرة على التخفف منه، لا بالنسيان، بل بالفهم والنضج. ثم ينتقل الشاعر ليؤكد أن الخوف من الدنيا ليس أمرًا عامًا، بل هو مرتبط بالقدر وبما كُتب للإنسان، فيدعونا ألا نبالغ في حساباتنا للدنيا، وألا نغلق الأبواب على أنفسنا، ولا نعتزل الناس، لأن العزلة القاسية تقتل الروح، وتزيد من ثقل الهموم
ويستمر ربيع فارس في رسم ملامح الإنسان السوي في نظره، فيدعو إلى العيش بين الناس بحرص ووعي، وأن يكون الإنسان جدعًا اجتماعيًا، حاضرًا في محيطه، متفاعلًا مع مجتمعه، لأن الإنسان بطبعه كائن اجتماعي، لا يكتمل إلا بالآخرين. كما يحذر من الوحدة والعزلة، ومن مصاحبة الجهل، ويشدد على أهمية اختيار الرفقة الصالحة، أصحاب الفكر والعقول، لأن الصديق عنده ليس مجرد رفيق وقت، بل شريك وعي، ومن يجاور الجاهل أو العويل يضيع عمره تائهًا، لا يعرف نهارًا من ليل، في إشارة واضحة إلى أثر البيئة والناس المحيطين على مصير الإنسان واستقراره النفسي والفكري
ولا يغفل الشاعر البعد القيمي والديني والأخلاقي، فيربط بين الحب والمودة وصلة الأرحام وطول العمر، ليس بالمعنى الزمني فقط، بل بطول العمر المعنوي المليء بالبركة والطمأنينة، ويحذر من الكِبر والانعزال عن الناس، لأن نهاية الإنسان مهما طال عمره واحدة، تربة ونومة شبر في شبر، وهي عبارة شديدة البساطة لكنها تحمل تذكيرًا قويًا بحقيقة المصير، وبأن التواضع، وحسن المعاملة، وترك الأثر الطيب بين الناس، هو ما يبقى للإنسان بعد رحيله
أسلوب ربيع فارس يتميز بالسلاسة، وباللغة القريبة من القلب، وباستخدام الأمثال والحِكم الشعبية التي تعيش في الذاكرة، كما يعتمد على الإيقاع الداخلي للكلمة، وعلى الموسيقى الخفية في الشعر العامي، مما يجعل قصائده قابلة للغناء، أو الإلقاء، أو التداول بين الناس بسهولة. وهو شاعر لا يلهث خلف التعقيد اللغوي، بل يرى أن قوة الشعر في وصوله، وفي قدرته على لمس الإنسان العادي قبل المثقف، لذلك جاءت قصائده صادقة، غير متكلفة، وتحمل روح التجربة أكثر من بهرجة الألفاظ
يمكن القول إن ربيع فارس يمثل نموذج الشاعر الذي لم ينفصل عن واقعه، ولم يكتب لترف النخبة فقط، بل كتب ليكون صوته امتدادًا لصوت الناس، يعبر عن مخاوفهم، وينصحهم، ويواسيهم، ويذكرهم بقيم إنسانية أساسية كالحب، والجدعنة، وصلة الرحم، واحترام العقل، والابتعاد عن الجهل، وقبول الحياة كما هي دون خوف مفرط أو انعزال مؤذٍ. عشرون عامًا من الكتابة لم تمر مرور الكرام، بل تركت بصمة واضحة في تجربته، وجعلته شاعرًا ناضج الرؤية، متزن الكلمة، صادق الرسالة
وفي ختام هذه الإضاءة الطويلة على مسيرته، يمكننا التأكيد أن الشاعر ربيع فارس عبد التواب هو صوت شعري غنائي يحمل حكمة العمر، ويعكس روح المجتمع المصري الأصيل، ويستحق أن يُسلَّط الضوء على تجربته ضمن سير الشعراء والأدباء، لما تحمله قصائده من قيمة إنسانية، ورسائل أخلاقية، وصدق فني نادر، يجعل شعره باقياً في الذاكرة، ومتداولاً على الألسنة، وقريبًا من القلوب، كما أراد له أن يكون
ومن أهم أبياته الشعرية للشاعر ربيع فارس في قصيدته «الدنيا»، حيث عبّر بكلمات صادقة وحكمة عميقة عن فلسفته في الحياة وعلاقته بالإنسان والمجتمع، قائلًا:
«كل حاجة بتتولد صغيرة بتكبر،
إلا الحزن بيتولد كبير بس مع الزمن بيصغر،
محدش هيخاف من الدنيا غير اللي مكتوب له،
أوعى تعمل للدنيا حساب،
ولا تعتزل الناس ولا تقفل عليك الباب،
عيش بين الناس حريص وواعي،
عيش راجل جدع وخليك اجتماعي،
أوعى تعيش بين الناس وحيد ومعزول،
وجاور الناس الحلوة أصحاب الفكر والعقول،
أوعى تصاحب جاهل أو تجاور عويل،
هتعيش طول حياتك تايه ولا هتعرف النهار من الليل،
بالحب والمودة وصلة الأرحام يطول العمر،
إياك تبعد عن الناس وتعيش في كِبر،
أخرتها يا بن آدم تربة ونومة شبر في شبر…
وعجبي»

تعليقات
إرسال تعليق