الفقرة الحادية عشرة من برنامج سير الشعراء والأدباء: الشاعر يوسف نعيم – جمهورية العراق

الفقرة الحادية عشرة من برنامج سير الشعراء والأدباء: الشاعر يوسف نعيم – جمهورية العراق

تتوقف اليوم عند تجربة الشاعر يوسف نعيم من جمهورية العراق، أحد الأصوات الشعرية التي حملت الكلمة بصدق وإحساس عالٍ بالمسؤولية الإنسانية. نرحّب بضيفنا الكريم في هذا البرنامج الثقافي، ونعتز بحضوره الذي يضيف قيمة معنوية وإبداعية مميزة. يتميّز الشاعر يوسف نعيم بأسلوبه الهادئ وصوره الشعرية العميقة التي تلامس الوجدان وتعكس حب الوطن والإنسان، ليبقى حضوره الشعري شاهدًا على تجربة راقية تستحق الاحترام والتقدير

تأتي اليوم لتفتح نافذة واسعة على تجربة إنسانية وإبداعية عراقية أصيلة، وتجسّد مسيرة شاعر وأديب حمل الكلمة مسؤولية، وعاشها إيمانًا وصبرًا ووفاءً للثقافة رغم تقلبات الزمن، إنه الشاعر والأديب يوسف فضيل نعيم، ابن جمهورية العراق، وابن البصرة الحبيبة التي أنجبت عبر تاريخها الطويل شعراء وأدباء كانوا مرآةً لروح العراق وذاكرته، فقد وُلد يوسف فضيل نعيم عام 1944 في مدينة البصرة، تلك المدينة التي تمتزج فيها الموانئ بالنخيل، والأنهار بالحكايات، والأسواق الشعبية بالأغاني القديمة، فكانت بيئته الأولى مدرسةً للحس الإنساني واللغة والمشاعر، ومنذ سنواته الأولى تشكّل وعيه على قيم العمل والالتزام والمعرفة، فاختار طريق الدراسة الأكاديمية إلى جانب شغفه الثقافي، ونال شهادة البكالوريوس في العلوم التجارية والاقتصاد من كلية تجارة البصرة، وهو تحصيل علمي أسهم في صقل شخصيته العملية، ومنحه رؤية متوازنة بين العقل والحس، وبين الحساب والكلمة، وبين الواقع والحلم، وعلى الرغم من انشغاله المبكر بالحياة الوظيفية، إلا أن الروح الأدبية لم تفارقه، إذ بدأ نشاطه الأدبي منذ عام 1967، ليكون حاضرًا في فضاء القصة القصيرة والشعر والأدب عمومًا، متعاملًا مع النص بوصفه مساحة للتعبير الصادق عن الإنسان والزمان والمكان، ولم يكن الأدب لديه ترفًا أو ادعاءً، بل كان موقفًا داخليًا وصوتًا هادئًا يكتب بعيدًا عن الضجيج، قريبًا من الجوهر، متأملًا التفاصيل الصغيرة التي تصنع المعنى الكبير، وإلى جانب نشاطه الأدبي، كان له حضور فني في مجال التمثيل المسرحي، وهو مجال يتطلب حسًا إنسانيًا عاليًا وقدرة على التقمص والتعبير، وقد شغل منصب عضو هيئة إدارية في نادي الفنون في البصرة، مسهمًا في دعم الحركة الفنية والثقافية، ومشاركًا في بناء فضاء إبداعي كان يعكس طموحات المدينة وأحلام مثقفيها، أما على الصعيد المهني، فقد كانت له مسيرة طويلة ومشرّفة في مصرف الرافدين العراقي، إذ التحق بالعمل فيه منذ عام 1962، واستمر في أداء واجبه الوظيفي بإخلاص وانضباط حتى عام 2007، حين أُحيل إلى التقاعد لبلوغه سن الخامسة والستين، بعد أن وصل إلى درجة مدير مصرف، وهو إنجاز يعكس الثقة والكفاءة والخبرة المتراكمة عبر عقود من العمل، ولم تكن هذه المسيرة الوظيفية منفصلة عن شخصيته الثقافية، بل شكّلت معها حالة من التوازن بين الواجب اليومي والحلم الإبداعي المؤجل، وفي حياته الخاصة، عاش يوسف فضيل نعيم حياة أسرية مستقرة، فهو متزوج، وأب لثلاثة أبناء، وجدّ لثمانية أحفاد، وهي نعمة يذكرها بالحمد والشكر، لما فيها من امتداد للروح وطمأنينة للقلب، وقد شهدت حياته، كما حياة كثير من العراقيين، محطات صعبة ومؤلمة، كان من بينها اضطراره إلى مغادرة العراق عام 2014، ليعيش تجربة الاغتراب القاسية، فاستقر في مدينة سيدني الأسترالية، حاملًا معه ذاكرة البصرة والعراق، ولغته العربية، وحنينه الذي لا ينطفئ، وعلى الرغم من أنه لم يمارس النشاط الأدبي العلني في العراق بسبب الظروف التي مرّ بها البلد، إلا أن صمته لم يكن غيابًا، بل كان تخزينًا للتجربة، وتأملًا عميقًا، وحفاظًا على جوهر الكلمة من الاستهلاك والتشويه، لتبقى كتاباته شاهدة على صدق التجربة ونقاء النية، وإن الحديث عن يوسف فضيل نعيم هو حديث عن جيل عراقي آمن بالثقافة رغم القسوة، وواصل السير بهدوء دون ضجيج، وترك أثره الإنساني والأدبي في مسيرته الطويلة، وهو اليوم، من موقع الاغتراب، يظل اسمًا يستحق أن يُستعاد ويُحتفى به، تقديرًا لما قدّمه، واحترامًا لما عاشه، وتأكيدًا على أن الكلمة الصادقة لا تموت، بل تنتظر لحظتها لتُروى وتُسمَع وتُفرِح القلوب، وهذه المعلومات التي قُدمت عنا أمانة نعتز بها، ونفرح بها، ونقدّمها بكل تقدير ومحبة، لتكون توثيقًا مستحقًا لسيرة شاعر وأديب عراقي أصيل

ومن أهم أبياته الشعرية الرائعة التي تعبّر بصدقٍ رمزي عميق عن رؤيته الإنسانية والوطنية، وتكشف حسّه الشعري المرهف وقدرته على تحويل الألم إلى صورة، والوجع إلى أمل، هذه الأبيات التي حملت عنوان «جنة العمر»، وجاءت محمّلة بالدلالات، مستحضرة النخلة والعصافير والحمائم والغراب بوصفها رموزًا لوطنٍ جريح، وصراعٍ بين الخراب والحياة، واليأس والرجاء، فقال الشاعر يوسف نعيم:

جنة العمر

ارتعبت نخلتنا اذ امتطاها غراب

نعيقه شؤوم و ينذرنا بالمصائب

فرت العصافير هاربة من ديارها

تاركة اعشاشها بزحمة المسلوب

غيومنا جاءت لنجدتها فامطرت

ماء نقي كنقاء النفوس و القلوب

عزفت الحمائم على نجدة اخوتها

راحت تدور بسماء شطنا الحبيب

اتت حمائمي عونا لعصافير نخلتي

فعادت زقزقتها بالفرح و الترحيب

اوكارها كانت منهارة و عم خرابها

اعادت بناؤها بكل انتظام و ترتيب

هرب الغراب و حلت الحمائم محله

و عاودتنا الآمال آتية و تبا للنحيب

يا وطنا كم قاسيت من الظلم و الآلام؟

وكم انتهكوا منك حريتك بالتخريب؟؟

و كم من اناس قاست الويل و الغربة؟

الا يأتي منجد يزرع الامن عن قريب؟

ظلمت مع شعبك من حروب مدمرة

اعادتنا لعقول اناس من عهد الخراب

خزيا لايام مرت علينا و نحن في جهالة

عارا على كل من ساهم في قتل الالباب

فمتى تنهض الجموع محاولة التصالح

لتنهي صراعا مع اخوتها ليمسوا احباب

وهي أبيات تختزل تجربة شاعر عاش الألم بصمت، وكتب الأمل بإيمان، فجاء شعره شاهدًا على وجدانٍ عراقيٍّ لا ينكسر، وعلى روحٍ ما زالت تؤمن بأن الغراب زائل، وأن الحمائم لا بد أن تعود



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الفقرة العاشرة | سير الشعراء والأدباء – الشاعر الأردني جمال الشلالدة

برنامج سيرة الفنانين التشكيليين

معرض مشترك بين أكاديمية حمورابي للثقافة والفنون وأكاديمية الحضارة اليمنية الدولية: تجربة فنية وثقافية فريدة"