نقشٌ في رَحِمِ العدم بقلم الكاتب وجدي أحمد عون
نقشٌ في رَحِمِ العدم بقلم الكاتب وجدي أحمد عون
"نقشٌ في رَحِمِ العدم"
"في غمرةِ الغروبِ الأخير.. وتحديداً في الثانيةِ الواحدةِ والستين، من الساعةِ الخامسةِ والعشرين، في اليومِ الثامنِ من الأسبوعِ الخامس، وفي الشهرِ الثالثِ عشر من السنةِ المئةِ وواحد؛ بدأ يكتبُ شيئاً مستحيلاً.. نقشاً محفوراً فوق صفحاتِ الماء، بحروفٍ من رمادٍ في يومٍ عاصف.
كان حافيَ القدمين، أشعثَ الشعر، يرتدي أسمالاً باليةً أكل عليها الدهرُ وشرب، وعلى جسدِه الضئيلِ نُدوبُ دماءٍ لم تجفَّ بعد. وفي عينيهِ انكسارٌ موحشٌ وهو يرمقُ الشمسَ في لحظةِ الوداع؛ نظرةٌ تروي حكايةَ نفسٍ سحقتْها الخيباتُ حتى غدت أثراً بعد عين.
كان يخطُّ قصيدةً عصيّةً على القراءة؛ كلماتُها تُولدُ من رَحِمِ العدمِ وتعودُ إليه قبل أن يرتدَّ إليه طرفُه، وكلما عصفَتِ الريح، تراقصَ الرمادُ فوق لُجّةِ الموجِ ليُشكّلَ ملامحَ وجهٍ لم تُبصره عين، وينطقَ بوعودٍ لم يقطعها بَشَر.
في تلك اللحظةِ الهاربةِ من مِحورِ الزمن، أدركَ أنَّ الكتابةَ على الماءِ لم تكن عبثاً، بل كانت المحاولةَ الوحيدةَ لتدوين الحقيقةِ العارية؛ تلك التي لا تقبلُ القيد، ولا تحتملُ البقاء، ولا يجرؤُ الورقُ المهترئُ على حملِ ثِقَلِها الوجودي.
كان يكتبُ أسماءَ الذين لم يولدوا بعد، ويوثّقُ تواريخَ المعاركِ التي لن تقع؛ صانعاً من الرمادِ جسراً واهناً يربطُ بين 'ما كان' و'ما لن يكون'. وعندما دقّت الساعةُ السادسةُ والعشرون، وتلاشت الثانيةُ الواحدةُ والستون في جوفِ الصمت، جفَّ البحرُ بغتةً، وانثرَ الرمادُ ليملأَ الفراغ.. فلم يبقَ من تلك الكتابةِ إلا صدىً يترددُ في أعماقِ كلِّ من آمن يوماً.. بأنَّ المستحيلَ ليس إلا فكرةً متمردة، تنتظرُ ريحاً مواتية."

تعليقات
إرسال تعليق