"اقرأ... بداية الطريق" بقلم الكاتب د.مقبول عز الدين
"اقرأ... بداية الطريق" بقلم الكاتب د.مقبول عز الدين
اقرأ… بداية الطريق
الحمد لله الذي افتتح النور بكلمة،
ولم يفتح السموات بسيف،
ولا الأرض بسلطان،
بل بـ اقرأ.
هكذا بدأ الإسلام،
لا بوليمة،
ولا بصرخة حرب،
ولا بنداء امتلاك،
بل بنداء وعي.
اقرأ…
كأن الله أراد للإنسان
أن يولد مرةً ثانية
من رحم المعرفة.
كان النبي صلى الله عليه وسلم في الخلاء،
يبحث عن المعنى
بعيدًا عن ضجيج الأصنام،
حتى جاءه الحق في غار حراء،
مرتعش القلب،
ثقيل الأمانة،
فقيل له: اقرأ.
وهو الذي لم يقرأ حرفًا،
ليعلّمنا
أن القراءة ليست حبرًا فقط،
بل استعدادًا للفهم.
نعم…
في الأكل لذّة،
وفي الشرب راحة،
وفي الجماع متعة،
لكن لذّة القراءة
أبقى،
وأعمق،
وأصدق.
لذّة لا تُتعب الجسد
بل توقظ الروح،
ولا تُشبع المعدة
بل تُشبع العقل.
اقرأ
لتعرف من أنت،
ولِمَ خُلقت،
وأين تقف قدمك.
اقرأ
لتفرّق بين الطريق والمسار،
بين الصوت والصدى،
بين الحق والزيف.
القارئ
لا يُقاد بسهولة،
ولا يُستدرج بالخرافة،
ولا يُستعبد بالجهل.
والأمّي
ليس من لا يعرف الحروف فقط،
بل من أغلق عقله
واكتفى بما يُقال له.
اقرأ
لتفقه الأشياء،
لتعرف أن العالم
لا يُفهم بالسطح،
ولا يُدار بالهوى.
اقرأ
لأن القراءة
تحرّر،
والجهل يقيد.
اقرأ
حتى لا تكون تابعًا أعمى،
ولا رقمًا في قطيع.
اقرأ
فإن أول سقوط للأمم
كان حين أغلقت كتبها
وفتحت شهواتها.
اقرأ
فالقراءة عبادة
إذا قصدت بها وجه الله،
وسجود عقل
قبل أن تكون حركة عين.
وهكذا علمنا الإسلام،
وهكذا أُمرنا:
أن نقرأ…
لنحيا.
***************]
واقعنا اليوم… حين غابت اقرأ
***************
في واقعنا اليوم،
لم تغب القراءة لأن الكتب نادرة،
بل لأن العقول تعبت،
والشاشات صارت أيسر من الصفحات،
والاختصار حلّ محلّ الفهم.
صرنا نقرأ العناوين
ونحكم،
نسمع الشائعات
ونصدق،
نحفظ الشعارات
ونجهل المعاني.
تراجع السؤال،
وتقدّم التلقّي،
وغابت اقرأ
وحضر قالوا.
نعيش زمنًا
كثرت فيه الأصوات
وقلّ فيه الفهم،
تُمنح فيه المنابر
لمن لا يقرأ،
ويُهمَّش فيه
من يتعب في المعرفة.
صرنا نبحث عن اللذّة السريعة،
عن متعة بلا جهد،
ونسينا أن القراءة
لذّة تحتاج صبرًا،
لكنها تصنع وعيًا
لا تسرقه الأيام.
في واقعنا،
الأميّ ليس من لا يحمل شهادة،
بل من لا يميّز
بين المعلومة والمعنى،
ولا يسأل: لماذا؟ وكيف؟
حين غابت القراءة
تقدّم الجهل متنكرًا في ثوب الرأي،
وتحوّل الاختلاف
إلى خصومة،
والفكرة
إلى تهمة.
نحتاج اليوم
أن نعود إلى اقرأ،
لا ككلمة تُتلى،
بل كموقف حياة،
كمسؤولية،
كفعل مقاومة
في وجه التفاهة.
فالأمم لا تنهض
بكثرة ما تملك،
بل بعمق ما تفهم،
ولا تُهزم
إلا حين تتصالح
مع الجهل

تعليقات
إرسال تعليق