الفقرة السادسة عشرة من برنامج سير الشعراء والأدباء | الشاعرة الدكتورة هيام محمد علامة (لبنان)
الفقرة السادسة عشرة من برنامج سير الشعراء والأدباء | الشاعرة الدكتورة هيام محمد علامة (لبنان)
نقترب من تجربة أدبية وإنسانية غنية للشاعرة الدكتورة هيام محمد علامة، القادمة من لبنان، حيث تتجسد في مسيرتها ملامح الإصرار والشغف والتحدي، وتتكشف لنا حكاية امرأة بدأت رحلتها مع الكلمة منذ الطفولة، واستطاعت أن تحوّل هذا الحب المبكر إلى مشروع إبداعي متكامل يحمل بصمتها الخاصة ويعكس عمق تجربتها الحياتية والإنسانية
منذ سنواتها الأولى، كان للقلم والورقة حضور مختلف في حياتها، لم يكونا مجرد أدوات عادية، بل كانا مساحة آمنة للبوح والتعبير، ونافذة تطل منها على عالم أوسع من حدود الواقع اليومي، فكانت المطالعة بالنسبة لها شغفًا يوميًا، تغذي به خيالها وتنمّي لغتها، حتى أصبحت اللغة العربية جزءًا أصيلًا من تكوينها، ليس فقط على مستوى الدراسة، بل على مستوى الإحساس والانتماء، وهذا ما انعكس بوضوح على تفوقها الدراسي، حيث كانت من الطالبات الأوائل في هذه المادة، الأمر الذي منحها ثقة مبكرة بقدرتها على التعبير والكتابة
لكن هذا الشغف لم يكن طريقه مفروشًا بالسهولة، إذ اصطدم بواقع اجتماعي محافظ، يرى في بعض المواضيع، خصوصًا الحب، منطقة حساسة لا يُستحب الخوض فيها علنًا، وهنا بدأت ملامح الصراع الداخلي تظهر، بين رغبتها الصادقة في الكتابة والتعبير، وبين القيود الاجتماعية التي تحيط بها، فكانت تكتب عن الحب بكل عفوية وصدق، ثم تعود لتمزّق ما كتبت، وكأنها تحاول إخفاء جزء من ذاتها، وهذه المرحلة رغم قسوتها، لعبت دورًا مهمًا في تشكيل شخصيتها الأدبية، إذ علمتها أن الكلمة مسؤولية، وأن التعبير الحقيقي يحتاج إلى شجاعة
ومع تحولات الحياة، جاءت مرحلة مفصلية ارتبطت بأحداث كبرى في تاريخ الوطن، حيث عاشت آثار الحرب الأهلية اللبنانية، تلك المرحلة التي غيّرت ملامح المجتمع وأثّرت في تفاصيل الحياة اليومية، وكان لها دور واضح في توجيه مسارها، فبعد الخروج من بيروت، لم تقف موقف المتفرج، بل اختارت أن تكون جزءًا من الفعل الإنساني، فالتحقت بالاتحاد النسائي، وتعلمت التمريض، لتكون قريبة من الناس، من الجرحى والمتألمين، فكانت تمارس دورًا إنسانيًا نبيلًا، يجمع بين العطاء العملي والإحساس العميق بمعاناة الآخرين
وفي تلك الفترة، لم تبتعد عن الكتابة، بل اتخذت منحى مختلفًا، حيث كتبت نصوصًا نقدية تناولت فيها بعض الزعامات السياسية، ونشرتها في الصحف المحلية، وهذا يدل على وعي مبكر بالقضايا العامة، وجرأة في التعبير عن الرأي، خاصة في ظروف حساسة، لكن مع مرور الوقت، ومع ظهور وسائل التواصل الحديثة، وعلى رأسها فيسبوك، بدأت مرحلة جديدة في حياتها، حيث وجدت في هذه المنصة فضاءً مفتوحًا للتعبير، وجمهورًا يتفاعل مع نصوصها بشكل مباشر، مما شجعها على التفرغ أكثر للكتابة
وكانت أولى خطواتها في هذا العالم الرقمي عبارة بسيطة لكنها عميقة الدلالة: “سألوني هل أنتِ عاشقة؟”، وهي جملة تختصر الكثير من المشاعر، وتفتح بابًا واسعًا للتأمل في مفهوم الحب وتجلياته، ومع تفاعل الأصدقاء والمتابعين، ومع نصائحهم بالابتعاد عن السياسة، اتجهت بشكل أكبر نحو الكتابة العاطفية، فعادت إلى موضوع الحب، ولكن هذه المرة بنضج أكبر، وخبرة أعمق، ورؤية أكثر وضوحًا
ومن هنا وُلد أول عمل أدبي لها، كتاب “الهَيَام”، الذي لم يكن مجرد إصدار أول، بل كان إعلانًا عن صوت أدبي مختلف، استطاع أن يكسر بعض الحواجز الاجتماعية، خاصة أنها كانت من أوائل الفتيات في محيطها اللواتي يكتبن عن الحب بهذا الأسلوب الصريح والمباشر، وهذا ما منحها تميزًا خاصًا، وجعلها محط اهتمام وقراءة من جمهور واسع، يبحث عن نصوص صادقة تعبّر عن مشاعره
وكان لدعم العائلة دور كبير في هذا النجاح، إذ لم تكن وحدها في هذه الرحلة، بل كانت محاطة بتشجيع مستمر من أهلها، الذين آمنوا بموهبتها ووقفوا إلى جانبها، ويتجلى هذا الدعم في واحدة من أهم لحظات حياتها، وهي لحظة توقيع كتابها، حيث امتلأت القاعة بالحضور، في مشهد يعكس حجم التقدير الذي حظيت به، ويجسد ثمرة سنوات من الصبر والعمل، لتتحول تلك اللحظة إلى ذكرى لا تُنسى، تحمل في طياتها شعور الفخر والإنجاز
ومع هذا النجاح، جاء التقدير الرسمي، حيث تم تكريمها في أكثر من مناسبة، من بينها تكريم من منظمة اليونسكو، وهي جهة دولية مرموقة تعنى بالثقافة والتعليم، ويُعد هذا التكريم اعترافًا بقيمة تجربتها وإسهامها في المجال الأدبي، وقد جرى هذا التكريم في قصر الأونيسكو من قبل لقاء الاتحاد الدولي، مما أضفى على الحدث قيمة رمزية وثقافية كبيرة تعكس مكانة المبدعين ودورهم في المشهد الثقافي، كما تم تكريمها أيضًا في منطقة الجبل في مقر البلدية، وهو تكريم يعكس تقدير المجتمع المحلي لها، واعتزازه بما قدمته من إنجازات
ولم تتوقف مسيرتها عند حدود الكتابة والتكريم، بل امتدت إلى العمل الثقافي والمؤسساتي، حيث تحمل صفة سفيرة في الاتحاد العربي الدولي في الوطن العربي والمهجر، وهو دور يعكس مكانتها في الوسط الثقافي، ويمنحها مسؤولية في تمثيل الثقافة العربية والتواصل مع المبدعين في مختلف الدول، والمساهمة في نشر الأدب والفكر الإنساني
وعند التأمل في هذه المسيرة، نلاحظ أنها ليست مجرد رحلة كاتبة، بل هي قصة تطور إنساني وفكري، بدأت من طفلة تكتب مشاعرها في دفاترها الخاصة، مرورًا بمرحلة الصراع مع المجتمع، ثم الانخراط في العمل الإنساني خلال فترات صعبة، وصولًا إلى النضج الأدبي والاعتراف المحلي والدولي، وهي بذلك تقدم نموذجًا للمرأة العربية التي استطاعت أن توازن بين حسها الإنساني وجرأتها الفكرية، وبين انتمائها لبيئتها وانفتاحها على العالم
إن الكتابة لدى الدكتورة هيام ليست مجرد كلمات تُكتب، بل هي تجربة تُعاش، ومشاعر تُنقل بصدق، ورسالة تحمل في طياتها الكثير من القيم الإنسانية، خصوصًا حين تتناول موضوع الحب، الذي لم يكن بالنسبة لها مجرد موضوع أدبي، بل كان موقفًا ثقافيًا يعيد الاعتبار لهذا الشعور في مجتمع قد يتحفظ عليه، لتصبح نصوصها مساحة للبوح، ومرآة تعكس مشاعر الكثيرين ممن يجدون فيها صوتهم
وهكذا تستمر هذه المسيرة، محمّلة بالتجارب والإنجازات، ومفتوحة على آفاق جديدة من الإبداع والعطاء، حيث تبقى الكلمة هي أداتها الأولى، والإنسان هو محور اهتمامها، والحب هو لغتها الأعمق، لتؤكد من خلال تجربتها أن الأدب الحقيقي هو الذي ينبع من الصدق، ويصل إلى القلوب، ويترك أثرًا لا يُمحى في الوجدان
ومن أهم أبياتها الشعرية الرائعة للشاعرة الدكتورة هيام محمد علامة:
آسفةٌ سيدي...
إنك تطلب المستحيل،
وأنا حقًا آسفة...
ليس عليك،
بل على صديقتي...
ذلك الكنز الذي بين يديك،
ولا تعرف كيف تُقدّر قيمته.
آسفةٌ لأنني لن أكون
كما تريدني،
ولن أخون صديقةَ عمري،
فأنتَ حبيبُها،
فكيف تطلب مني
أن أكون خيانةً في ثوب امرأة؟
كيف أُطفئ ضميري
لأجل نزوةٍ عابرة،
وأكسر قلبًا
أعرف كم أحبّك بصدق؟
ارحل...
ولا تعد،
وكأنك لم تنطق
بهذا الجنون،
وكأنني لم أسمع
شيئًا من كلماتك.
ارحل...
ارحل،
فبعضُ الرحيل
أرحمُ من بقاءٍ
يُفسدُ ما كان نقيًّا
✨ أبيات تعبّر عن قمة الوفاء والصدق، وترفض الخيانة مهما كانت المغريات، في صورة أدبية مؤثرة تنبض بالإحساس والضمير

تعليقات
إرسال تعليق