الفقرة الثامنة عشرة من برنامج سيرة الفنانين التشكيليين | د. جيلان محمد نجم… رحلة إبداع بين الفن والتربية

الفقرة الثامنة عشرة من برنامج سيرة الفنانين التشكيليين | د. جيلان محمد نجم… رحلة إبداع بين الفن والتربية

تأخذنا اليوم إلى سيرة استثنائية حافلة بالمنجزات والعطاء، حيث نسلط الضوء على الفنانة التشكيلية الدكتورة جيلان محمد نجم من جمهورية مصر العربية، هذه الشخصية التي تمثل نموذجاً متكاملاً للفنان المثقف الذي جمع بين الإبداع الفني والرسالة التربوية والعمل المؤسسي، فكانت مسيرتها أشبه بنهر متدفق من الخبرات والتجارب التي امتزج فيها الفن بالعلم، والرؤية بالجمال، والانتماء بالإنجاز

ولدت الفنانة جيلان نجم في مدينة الإسكندرية، المدينة التي تتنفس فناً وتاريخاً وتنوعاً ثقافياً، فكان لهذا المناخ أثر عميق في تكوينها الأول، حيث تشكل وعيها البصري في بيئة غنية بالتعدد الحضاري، الأمر الذي انعكس لاحقاً على أعمالها التي تحمل روح الانفتاح والبحث والتجريب. وقد تلقت تعليمها في كلية فيكتوريا خلال فترة امتدت لأكثر من عقد، من عام 1974 حتى 1988، وهي مؤسسة تعليمية عريقة ساهمت في صقل شخصيتها الفكرية واللغوية والثقافية، قبل أن تنتقل إلى دراسة الفن بشكل أكاديمي متخصص في كلية الفنون الجميلة، حيث حصلت عام 1993 على درجة البكالوريوس في قسم التصوير شعبة جداري، وهو تخصص يتطلب حساً عالياً في التعامل مع الفضاءات الواسعة والرؤية التركيبية العميقة التي تربط بين الفن والعمارة والبيئة

ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلتها الحقيقية في عالم الفن، ليس فقط كممارسة تشكيلية، بل كرسالة متكاملة، حيث انخرطت في نقابة الفنانين التشكيليين، ووسعت حضورها الثقافي من خلال عضويات متعددة في جمعيات فنية وثقافية، منها جمعية خريجي فيكتوريا، وجمعية “فن رمز حضارات”، وهو ما يعكس اهتمامها بالعمل الجماعي والانخراط في الحراك الثقافي، وعدم الاكتفاء بالإنتاج الفردي

وفي جانب آخر من مسيرتها، برزت كعنصر فاعل في المنظومة التعليمية، حيث شغلت موقعاً مهماً في المكتب الفني لوزير التربية والتعليم عام 2005، تحت إشراف قيادات تربوية بارزة، ما أتاح لها فرصة الإسهام في تطوير الرؤية التعليمية، خصوصاً في مجال التربية الفنية، وهو المجال الذي كرست له جزءاً كبيراً من حياتها المهنية. كما عملت في التدريس للمرحلتين الإعدادية والثانوية، وأسهمت في إعداد أجيال من الطلبة، ليس فقط من خلال تعليمهم المهارات الفنية، بل من خلال غرس الذائقة الجمالية وتعزيز التفكير الإبداعي لديهم

تميزت تجربتها التربوية بعمقها وتطورها، حيث انضمت إلى فريق دعم الجودة في مدرسة جمال عبد الناصر الثانوية العسكرية عام 2009، ثم أصبحت رئيسة لفريق الجودة حتى عام 2018، وهو منصب يعكس ثقة المؤسسة بقدراتها القيادية والتنظيمية. ولم يكن هذا الدور شكلياً، بل كان فاعلاً ومؤثراً، حيث عملت على تطبيق معايير الجودة وتحسين الأداء التعليمي، وهو ما توج بحصولها على لقب “المدرس المثالي” عام 2010، وهو تكريم يعبر عن تقدير حقيقي لجهودها

كما امتدت خبرتها إلى العمل كمراجع خارجي ورئيس فريق مراجعة خارجية في الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد، وهو دور يتطلب دقة علمية وخبرة ميدانية، ويؤكد مكانتها كخبيرة في مجال التقييم التربوي. ولم تكتفِ بما حققته، بل واصلت تطوير نفسها من خلال سلسلة طويلة من الدورات التدريبية، التي شملت مجالات متعددة مثل اللغة الإنجليزية من المعهد البريطاني، والمحادثة من المركز الفرنسي، وبرامج متخصصة في التربية الفنية، والتخطيط الاستراتيجي، وتأهيل القيادات، والتعليم من أجل المستقبل، إلى جانب حصولها على الرخصة الدولية لقيادة الحاسوب، ودورات في البرمجة اللغوية العصبية والتنمية البشرية، وهو ما يعكس عقلية منفتحة تسعى باستمرار إلى التعلم والتجدد

وفي الجانب الأكاديمي، واصلت مسيرتها العلمية بحصولها على دبلومات متعددة في التربية، وصولاً إلى درجة الماجستير في التربية المقارنة عام 2016، حيث تناولت في رسالتها دراسة مقارنة لأداء معلمي التربية الفنية في المدارس الثانوية الحكومية والخاصة، وهو موضوع يعكس اهتمامها العميق بتطوير التعليم وربطه بالواقع العملي

أما في المجال الفني، فقد شاركت في عدد كبير من المعارض منذ بداياتها، بدءاً من معارض الطلبة، مروراً بالمسابقات القومية، وصولاً إلى المعارض الدولية، حيث كان لها حضور مميز في صالون الشباب الدولي، ومعارض أتيلية الإسكندرية، والمراكز الثقافية الدولية، مثل المركز الثقافي الهندي، إلى جانب مشاركاتها في معارض متعددة في القاهرة والإسكندرية. كما لعبت دوراً مهماً في ربط الفن بالقضايا المجتمعية، من خلال إشراك طلابها في مسابقات فنية ذات بعد إنساني، مثل مسابقة منظمة الصحة العالمية، التي هدفت إلى التوعية بقضايا الأمومة والطفولة، وقد حقق طلابها نتائج متميزة تعكس جودة إشرافها واهتمامها

وبعد أن أنهت مسيرتها في وزارة التربية والتعليم، دخلت مرحلة جديدة من العطاء، حيث تحولت إلى منظِّمة للملتقيات الفنية، لتبدأ سلسلة من الفعاليات التي وصلت إلى ثلاثين ملتقى عالمياً، وهو إنجاز كبير يعكس روح المبادرة والقدرة على إدارة الفعل الثقافي. وقد تنوعت هذه الملتقيات من حيث المكان والموضوع، حيث أقيمت في مراكز ثقافية، وقصور ثقافة، وأندية، وقنصليات، وحتى في الهواء الطلق، مما أتاح للفن أن يصل إلى جمهور واسع ومتنوع

هذه الملتقيات لم تكن مجرد معارض، بل كانت منصات للحوار الثقافي، وفضاءات للتبادل الفني، حيث اجتمع فيها فنانون من مختلف الاتجاهات، لتقديم أعمالهم والتفاعل مع الجمهور، وهو ما ساهم في تنشيط الحركة التشكيلية وتعزيز حضور الفن في المجتمع. وقد حملت هذه الفعاليات عناوين ذات دلالات عميقة مثل “مصر بلادنا”، و“سمفونية لون”، و“الفن رسالة حب وسلام”، و“رؤى تشكيلية”، وكلها تعكس رؤية إنسانية تؤمن بأن الفن وسيلة للتقارب والتفاهم

إن الفنانة جيلان محمد نجم تمثل حالة فريدة في المشهد التشكيلي، فهي ليست فقط فنانة تنتج أعمالاً، بل هي مؤسسة ثقافية قائمة بذاتها، استطاعت أن تجمع بين الخبرة الأكاديمية، والممارسة الفنية، والعمل التربوي، والتنظيم الثقافي، لتقدم نموذجاً متكاملاً للفنان الذي يعيش قضايا مجتمعه ويسهم في تطويره

وفي هذه الفقرة الثامنة عشرة من برنامج سيرة الفنانين التشكيليين، نجد أنفسنا أمام تجربة ثرية تستحق التقدير والاحتفاء، تجربة تؤكد أن الفن ليس مجرد ألوان وخطوط، بل هو رؤية ورسالة ومسؤولية، وأن الفنان الحقيقي هو من يستطيع أن يحول موهبته إلى فعل مؤثر يترك بصمة في حياة الآخرين، وهو ما جسدته الدكتورة جيلان نجم بكل جدارة واقتدار، لتبقى واحدة من الأسماء التي صنعت حضوراً لافتاً في ساحة الفن التشكيلي العربي، وقدمت نموذجاً يُحتذى به في الإبداع والعطاء المستمر








تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الفقرة العاشرة | سير الشعراء والأدباء – الشاعر الأردني جمال الشلالدة

برنامج سيرة الفنانين التشكيليين

معرض مشترك بين أكاديمية حمورابي للثقافة والفنون وأكاديمية الحضارة اليمنية الدولية: تجربة فنية وثقافية فريدة"