الفقرة الثامنة عشرة من برنامج بانوراما الفنون: الخطاط المغربي إدريس الواقي ومسيرة الإبداع في فن الخط العربي
الفقرة الثامنة عشرة من برنامج بانوراما الفنون: الخطاط المغربي إدريس الواقي ومسيرة الإبداع في فن الخط العربي
تأتي هذه المرة محمّلة بروح الحرف العربي وعبقه الأزلي، لنقترب أكثر من تجربة فنية وإنسانية استثنائية يمثلها الخطاط المغربي الدكتور إدريس الواقي، الذي لم يكن مجرد ممارس لفن الخط، بل أحد حراسه الأمناء، وأحد أولئك الذين أعادوا للحرف العربي هيبته وجلاله، وجعلوا منه وسيلة تعبير راقية تتجاوز حدود الشكل إلى فضاءات الروح والمعنى والهوية. إن الحديث عن إدريس الواقي لا يمكن اختزاله في سطور عابرة، لأنه تجربة ممتدة عبر الزمن، قائمة على الشغف العميق، والانضباط الصارم، والرؤية الفنية التي تنطلق من الجذور لتلامس آفاق الحداثة دون أن تفقد أصالتها
منذ البدايات الأولى، كان واضحاً أن هذا الفنان يحمل في داخله حساً جمالياً مختلفاً، فقد نشأ في مدينة مكناس، المدينة التي تتنفس التاريخ وتفيض بعناصر الفن الإسلامي من عمارة وزخرفة ونقوش، وهو ما شكّل لديه وعياً بصرياً مبكراً جعله ينجذب إلى التفاصيل الدقيقة، ويبحث في الخطوط والأشكال عن ذلك التوازن الخفي بين الجمال والانضباط. هذا التكوين البصري الأولي لم يكن معزولاً عن مسيرته الأكاديمية، إذ اختار دراسة هندسة الديكور، وهو تخصص أتاح له فهماً عميقاً للعلاقة بين الفضاء والشكل، وبين الكتلة والفراغ، وهو ما انعكس لاحقاً بشكل واضح في أعماله الخطية التي تتسم بدقة هندسية وانسجام بصري لافت
ومع تطور تجربته، بدأ إدريس الواقي يتجه بشكل متزايد نحو التفرغ لفن الخط العربي، مدفوعاً بإيمان داخلي بأن هذا الفن ليس مجرد مهارة، بل رسالة. وقد خاض في سبيل ذلك رحلة طويلة من التعلم والتدريب، مستلهماً من المدارس الكلاسيكية الكبرى، ومتأثراً بروائع الخطاطين الأوائل، لكنه في الوقت نفسه كان يسعى إلى بناء بصمته الخاصة، تلك البصمة التي تميز أعماله وتجعلها قابلة للتعرف فوراً، بما تحمله من توازن بين الصرامة الكلاسيكية والانسيابية المعاصرة
في هذه الفقرة الثامنة عشرة من برنامج بانوراما الفنون، تتجلى أهمية تجربة إدريس الواقي من خلال قدرته الفريدة على نقل الخط العربي من مجرد لوحات فنية إلى عنصر حي داخل الفضاء المعماري، حيث شارك في تزيين قبب مسجد الحسن الثاني في الدار البيضاء، وهو أحد أعظم الصروح الدينية في العالم الإسلامي، وقد تطلب هذا العمل مستوى عالياً من الدقة والالتزام، ليس فقط من الناحية الفنية، بل أيضاً من حيث احترام قدسية المكان وروحانيته. لقد استطاع أن ينسج الحروف داخل هذا الفضاء بطريقة تجعلها جزءاً من التجربة الروحية للمكان، حيث تتداخل الخطوط مع الضوء والظل لتخلق حالة من السكون والتأمل
ولم تقف إنجازاته عند هذا الحد، بل امتدت إلى خارج المغرب، حيث ساهم في إنجاز أعمال خطية في مساجد بارزة في أوروبا، مثل مسجد روما في إيطاليا ومسجد مرسيا في إسبانيا، وهي مشاركات تعكس حجم الثقة التي يحظى بها، كما تؤكد على عالمية هذا الفن وقدرته على تجاوز الحدود الثقافية. إن وجود أعماله في هذه الفضاءات الدولية لا يمثل فقط نجاحاً شخصياً، بل هو أيضاً امتداد لحضور الثقافة العربية الإسلامية في العالم، ورسالة تؤكد أن الحرف العربي لا يزال قادراً على الإبداع والتأثير
ومن أبرز المحطات التي تستحق التوقف عندها، مشاركته في مشروع كتابة "المميت" ضمن كتاب أسماء الله الحسنى المهدى إلى جلالة الملك محمد السادس، وهو مشروع يحمل في طياته بعداً روحياً وثقافياً عميقاً، ويعكس الثقة الكبيرة التي وُضعت فيه كخطاط قادر على التعامل مع نصوص ذات قدسية عالية. كما أن مشاركاته في مسابقات أرسيكا الدولية تمثل جانباً مهماً من مسيرته، حيث شارك بأسماء كبار الخطاطين التاريخيين، في دلالة رمزية على استمرارية هذا الفن وارتباطه بجذوره، وقد أتاحت له هذه المشاركات فرصة الاحتكاك بتجارب عالمية، مما ساهم في تطوير أدواته وتعميق رؤيته
وفي سياق حضوره الثقافي، كان إدريس الواقي فاعلاً في المشهد الفني المغربي، من خلال مشاركاته في المعارض التي نظمتها الجمعية المغربية لفن الخط العربي بالتعاون مع وزارة الثقافة، حيث عرض أعمالاً تعكس تنوع أساليبه وغنى تجربته، كما ساهم في نشر الوعي بهذا الفن بين مختلف فئات المجتمع، مؤكداً أن الخط العربي ليس فناً نخبوياً، بل هو جزء من الهوية الثقافية التي ينبغي الحفاظ عليها وتعزيزها
إن ما يميز تجربة إدريس الواقي بشكل لافت هو فلسفته الخاصة تجاه الحرف، فهو لا ينظر إليه كعنصر بصري فقط، بل ككائن حي يحمل في داخله طاقة روحية وتاريخية، ويؤمن بأن كل حرف له شخصيته وإيقاعه، وأن مهمة الخطاط هي اكتشاف هذا الإيقاع وإبرازه بطريقة جمالية. هذه الرؤية تنعكس بوضوح في أعماله التي تبدو وكأنها تنبض بالحياة، حيث تتحول الخطوط إلى مسارات تعبيرية تحمل مشاعر الفنان وأفكاره
وفي الفقرة الثامنة عشرة من برنامج بانوراما الفنون، لا يمكننا إلا أن نتوقف عند البعد الإنساني في تجربة هذا الفنان، فهو لم يكتفِ بالإبداع الشخصي، بل سعى إلى نقل خبرته إلى الآخرين، مؤمناً بأن استمرارية هذا الفن تعتمد على التعليم والتكوين. ومن خلال ورشاته ومشاركاته المختلفة، ساهم في تكوين جيل جديد من الخطاطين الذين يحملون نفس الشغف والرغبة في الحفاظ على هذا التراث
وعندما نتأمل قوله بأن الحرف العربي هو حياة كاملة، ندرك أن هذا ليس مجرد تعبير بلاغي، بل خلاصة تجربة طويلة من التفاعل مع هذا الفن، حيث يصبح الحرف وسيلة للتعبير عن الذات، وعن العلاقة مع العالم، وعن الانتماء إلى حضارة عريقة. إن هذا العمق في الرؤية هو ما يمنح أعماله تلك القدرة على التأثير، حيث لا تقتصر على إمتاع العين، بل تمتد لتلامس الروح
وفي ختام هذه الرحلة ضمن الفقرة الثامنة عشرة من برنامج بانوراما الفنون، يمكن القول إن إدريس الواقي يمثل نموذجاً للفنان الذي استطاع أن يجمع بين الأصالة والتجديد، وبين المهارة التقنية والرؤية الفكرية، وأن يجعل من الخط العربي لغة عالمية قادرة على التعبير عن الجمال والهوية في آنٍ واحد. إن مسيرته ليست فقط قصة نجاح فردي، بل هي أيضاً قصة وفاء لفن عريق، وإصرار على إبقائه حياً ومتجدداً في زمن تتغير فيه القيم بسرعة. ومن خلال هذا الإصرار، يواصل إدريس الواقي رحلته، حاملاً معه رسالة الحرف العربي إلى الأجيال القادمة، ومؤكداً أن هذا الفن سيظل دائماً قادراً على التعبير عن أعمق ما في الإنسان من مشاعر وأفكار، وأنه سيبقى جسراً يربط الماضي بالحاضر، ونافذة تطل منها الروح على فضاءات الجمال الخالد












تعليقات
إرسال تعليق